التحليل النفسي والسياسي لفشل الدولة في إريتريا وتأثيره على المجتمع المدني في المهجر: صدمة الجماعة وولادة الفعل من خارج الحدود
دائرة الشئون السياسية

توطئة
في قلب القرن الأفريقي، تقف إريتريا شاهداً صامتاً على مأزق الدولة الفاشلة في أبلغ تجلياتها. ليست إريتريا مجرد حالة من الانهيار المؤسسي أو الاقتصادي، بل هي نموذج معقد لتفكك العقد الاجتماعي والسياسي على نحو جذري، حيث تحولت الدولة من كيان يُفترض أن يكون حامياً وراعياً، إلى أداة قمع منهجية ومصدر أساسي للمعاناة الجماعية. هذا الفشل المتعدد الأبعاد، الذي تجذرت أصوله في تاريخ استعماري طويل وحرب تحرير مريرة، ثم انحرف مساره نحو الشمولية المطلقة بعد الاستقلال، لم يترك مجالاً من مجالات الحياة العامة والخاصة إلا وأثّر فيه بعمق. إنه فشل يفوق حدود الجغرافيا، ليمتد آثاره النفسية والاجتماعية والسياسية عبر القارات، حيث تشكلت في المهجر كيانات بديلة، مجتمعات مدنية حملت على عاتقها عبء الهوية الممزقة وهم التغيير، متخذة من صدمة الفشل نفسها وقوداً لمقاومة نابعة من الألم. هذا المقال يحاول تفكيك هذا التفاعل المعقد، بين فشل الدولة في الوطن كسبب جوهري، وتشكيل المجتمع المدني في المهجر كنتاج ورد فعل ديناميكي، مبرزاً كيف أن الصدمة النفسية الجماعية والانكسار السياسي هما المحركان الخفيان لولادة فعل مدني من خارج الحدود، يحمل في طياته إمكانية المستقبل وتحدياته.
الإطار المفاهيمي والسياق التاريخي – من التحرير إلى السجن الكبير
يُعرَّف فشل الدولة بأنها حالة من العجز المستمر عن أداء الوظائف الأساسية للدولة الحديثة، كحماية السكان وتقديم الخدمات الأساسية وضمان الأمن والتمتع بالشرعية. في الحالة الإريترية، يصل هذا المفهوم إلى ذروته المأساوية. فالدولة غائبة كضامن للسيادة الفعلية على أراضيها، منهارة في قدرتها على توفير الخدمات الحيوية من صحة وتعليم، وفاقدة تماماً لأي شرعية داخلية أو خارجية بفعل طبيعة نظامها القمعي وعزلتها الدولية. يعود هذا الفشل إلى سياق تاريخي معقد؛ فبعد عقود من النضال المرير ضد الاستعمار الإيطالي ثم البريطاني والإثيوبي، تحقق الاستقلال في عام 1993 وسط آمال عراضة. لكن هذه الآمال تبخرت بسرعة مع صعود الرئيس أسياس أفورقي ونظامه الشمولي، الذي حول دولة التحرير إلى سجن كبير. تجلت مظاهر الفشل في كل زاوية: سياسياً، عبر نظام حكم فردي شمولي، يقوم على غياب تام للمؤسسات الديمقراطية والتمثيلية، وقمع وحشي للحريات الأساسية، وهيمنة مطلقة للجيش والأجهزة الأمنية على مفاصل الحياة. اقتصادياً، عبر اقتصاد موجه بالكامل لخدمة الأغراض العسكرية، ينهار تحت وطأة الفساد المستشري وانهيار البنية التحتية، ويعتمد بشكل مهين على المساعدات والتحويلات الخارجية من المغتربين، حيث تُشكِّل تحويلات المغتربين الإريتريين –التي تُقدَّر بنحو 500 مليون دولار سنوياً– شريان الحياة للاقتصاد المنهار. اجتماعياً، عبر سياسة التجنيد الإجباري غير المحدودة الأمد التي تشكل شبكة استعباد وطنية، وقمع ممنهج للحريات الدينية والثقافية، وهجرة جماعية قسرية تشرد نسبة كبيرة من الشعب. في مواجهة هذا الفراغ المدمر، برز في المهجر ما يمكن تسميته بالمجتمع المدني الإريتري في المنفى، وهو كيان غير رسمي لكنه حيوي، يتشكل من شبكة معقدة من الجمعيات الخيرية والمنظمات الحقوقية والإعلام المعارض والشبكات الاجتماعية والفعاليات الثقافية. هذا المجتمع لا يمثل مجرد فضاء للعمل السياسي أو الإنساني، بل أصبح الحامل الأساسي لهوية إريترية مهددة، والملاذ الأخير للحفاظ على الروح الوطنية في وجه محاولات الإبادة المعنوية التي يمارسها النظام.
بنية الشمولية والغياب المطلق للشرعية
يكمن جوهر الفشل السياسي في إريتريا في البنية الشمولية المتطورة للنظام. فهي بنية تقوم على تركيز السلطة المطلقة بيد الرئيس وأجهزته الأمنية، حيث لا وجود لحكم القانون أو مؤسسات مستقلة قادرة على مراقبة السلطة أو محاسبتها. الأيديولوجية الحاكمة، التي ترفع شعارات براقة مثل “الوحدة الوطنية” و”الاكتفاء الذاتي”، لم تكن سوى غطاء أيديولوجي لمشروع قمعي. فشعار الوحدة استخدم لتبرير سحق أي تباين سياسي أو عرقي، بينما تحولت سياسة الاكتفاء الذاتي إلى كارثة اقتصادية دفعت بالبلاد إلى حافة المجاعة، معززة اعتمادها على الخارج الذي يدعيه النظام كعدو. الجيش والأجهزة الأمنية لم يعودا أدوات للدفاع عن الوطن، بل تحولا إلى جهاز قمع داخلي ضخم، واقتصاد الحرب الذي يديره النظام حول التجنيد الإجباري إلى آلية رئيسية للسيطرة الاجتماعية والاقتصادية، حيث يُستخدم الشباب كعمالة رخيصة في المشاريع الحكومية وقوة بشرية لا تنضب في آلة الحرب. هذا النظام فقد شرعيته على كافة المستويات. داخلياً، بسبب القمع الوحشي والفشل الاقتصادي المزمن الذي يحرم المواطن من أبسط مقومات الحياة الكريمة. خارجياً، بسبب عزلته الدولية الطويلة، والعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة سابقاً بسبب دعمه للإرهاب والإخلال بالاستقرار الإقليمي، وتوتراته المستمرة مع جيرانه، خاصة إثيوبيا. هذه العزلة، التي يروج لها النظام كدليل على سيادته، هي في حقيقتها نتيجة حتمية لسياساته العدوانية وانتهاكاته الصارخة لحقوق الإنسان، وتدفع به إلى مزيد من الاعتماد على حلفاء إقليميين متقلبين، مما يعمق من أزمته ويجعله رهينة للتوازنات الإقليمية الهشة.
التحليل النفسي لفشل الدولة – صدمة الجماعة وتشظي الهوية
لم يكن فشل الدولة في إريتريا مجرد ظاهرة سياسية أو اقتصادية، بل كان صدمة عميقة ومستمرة نالت من النسيج النفسي للأفراد والجماعة. يمكن تشخيص هذه الحالة كـ “صدمة جماعية” (COLLECTIVE TRAUMA) متعددة المصادر. فالحروب المتكررة، خاصة الحرب المدمرة مع إثيوبيا (1998-2000)، خلقت جيلاً كاملاً من المحاربين والضحايا. القمع الوحشي المتمثل في السجون السرية والتعذيب المنهجي والاختفاء القسري، زرع الخوف في قلب كل مواطن. التجنيد الإجباري غير المحدود، الذي يحرم الشباب من مستقبلهم وأسرهم، يمثل شكلاً مستمراً من العنف النفسي والجسدي. وأخيراً، الفصل القسري عن الوطن والأهل عبر الهجرة القسرية، يضيف بعداً آخر من الألم والانقطاع. تتجلى مظاهر هذه الصدمة في اضطرابات نفسية واسعة الانتشار، كاضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والقلق المزمن الذي يلاحق الأفراد حتى في المنفى، والاكتئاب الذي يعكس فقدان الأمل، وشعور عميق بالعجز واليأس إزاء آلة القمع، وفقدان مطلق للشعور بالأمان حتى في أبسط تفاصيل الحياة. يرتبط بهذه الصدمة بشكل وثيق “تشظي الهوية”. يعاني الإريتري، خاصة في المهجر، من صراع هوياتي مؤلم. فالهوية الوطنية الإريترية التي ناضل من أجلها أجداده، تتعارض مع هويته الحقيقية كلاجئ أو مهاجر يعيش على هامش مجتمعات أخرى. يصبح التوفيق بين ماضٍ مؤلم مرتبط بالوطن وحاضرٍ مشتت في المهجر تحدياً وجودياً. يترجم هذا إلى “فقدان الانتماء” المزدوج؛ فالشعور بالانفصال عن وطن فشل في حمايته ورعايته يصاحبه صعوبة الاندماج الكامل في مجتمعات المهجر بسبب الحواجز اللغوية والثقافية والتمييز والعنصرية أحياناً، والبطالة، وحنين جارف للوطن (الحنين) يصبح سمة مزمنة. يضاف إلى ذلك عبء نفسي هائل يتمثل في “المسؤولية” تجاه الأهل المتبقين في إريتريا أو عالقين في مخيمات اللجوء، مما يخلق ضغطاً اقتصادياً وعاطفياً مستمراً. في مواجهة هذه الضغوط الهائلة، برزت “آليات تكيف ومقاومة نفسية” مبتكرة. فبناء مجتمعات دعم في المهجر، سواء عبر الشبكات الأسرية الممتدة أو الجمعيات، يوفر شبكة أمان نفسية واجتماعية. ويصبح التعبير الثقيفي والفني (الموسيقى، الأدب، الفنون البصرية) وسيلة حيوية للتعافي من الصدمة، للتعبير عن الألم، وللمقاومة الرمزية، وللحفاظ على الهوية. والأهم، هو تحويل هذا الألم والغضب المكبوت إلى “فعل سياسي واجتماعي” منظم، حيث يجد الكثيرون في الانخراط في منظمات المجتمع المدني في المهجر وسيلة لاستعادة بعض السيطرة على مصيرهم، وتحويل شعورهم بالعجز إلى طاقة دافعة نحو التغيير.
تأثير فشل الدولة على تشكيل وديناميكيات المجتمع المدني في المهجر -من الصدمة إلى الفعل
لم يكن فشل الدولة في إريتريا مجرد خلفية لنشوء المجتمع المدني في المهجر، بل كان المحرك الأساسي والمصدر الرئيسي لدافعيته. فالرغبة الجماعية في التغيير، والحاجة الماسة لمساعدة اللاجئين الجدد والضعفاء، والشعور بالمسؤولية تجاه الحفاظ على الهوية الوطنية المهددة، كلها عوامل نابعة مباشرة من مأساة الفشل الوطني. تجسدت هذه الدافعية في أدوار متعددة ومتكامل يقوم بها هذا المجتمع المدني. في مقدمة هذه الأدوار، “الإغاثة الإنسانية”، حيث تقدم المنظمات والجمعيات مساعدات حيوية للاجئين في المخيمات المترامية على الأطراف، وتدعم الأسر المعدمة داخل إريتريا عبر قنوات سرية أحياناً، ملأً فراغاً تركته الدولة عمداً. ويأتي “الدفاع عن حقوق الإنسان” كركيزة أساسية، عبر توثيق الانتهاكات الفظيعة بدقة، وتوعية الرأي العام العالمي، وممارسة الضغط المنظم على المنظمات الدولية والحكومات لاتخاذ إجراءات. *يتجلى هذا الدور بوضوح في عمل منظمات مثل “تقرير العدالة الانتقالية في إريتريا” التي توثق الجرائم ضد الإنسانية وتحفظ ذاكرة الضحايا، محوِّلة الألم إلى أرشيف مقاومة.* أما “العمل السياسي المعارض”، فيتمثل في تشكيل أحزاب وتحالفات سياسية في المنفى، وتنظيم احتجاجات ومظاهرات، وبناء رؤى بديلة لإريتريا المستقبل، محاولاً تقديم بديل سياسي للنظام القائم. ولا يقل أهمية دور “الحفاظ على الهوية والثقافة”، عبر تنظيم فعاليات ثقافية، وتعليم اللغة الإريترية للأجيال الجديدة المولودة في المهجر، ودعم الإعلام المستقل الذي يكسر احتكار النظام للمعلومات. وأخيراً، يلعب المجتمع المدني دوراً حيوياً في “تمكين اللاجئين”، عبر تقديم خدمات استشارية متخصصة (قانونية، صحية، نفسية)، ومساعدتهم في مواجهة تحديات الاندماج المعقدة في مجتمعات اللجوء. ورغم هذه الأدوار الحيوية، يواجه المجتمع المدني الإريتري في المهجر تحديات جسيمة. فالانقسامات الداخلية، سواء العرقية (بين التجرينية وغيرها من المجموعات) أو السياسية (بين فصائل المعارضة المختلفة) أو الشخصية، تشكل عائقاً رئيسياً أمام الفعل الموحد. ويضيف “تدخل النظام” بُعداً خطيراً، عبر محاولاته المستمرة لاختراق المنظمات، وزرع الفتنة بين أفرادها، وترهيب الناشطين في الخارج حتى في ملاذهم الآمن. كما تعاني هذه المنظمات من “صعوبات التنسيق” بسبب البعد الجغرافي الكبير، واختلاف الأولويات بينها، ومحدودية الموارد المالية والبشرية. وعلى الصعيد الفردي، يواجه الأفراد “عوائق الاندماج” في المهجر، حيث يصعب الموازنة بين التزامات النضال من أجل الوطن ومتطلبات الحياة اليومية والاندماج في المجتمع المضيف. وراء هذه التحديات العملية، تكمن “ديناميكيات نفسية” معقدة. فالصدمة نفسها تتحول أحياناً إلى “وقود” يدفع النشاط، حيث يتحول الألم والغضب إلى طاقة محركة. لكن هذا يصاحبه أحياناً “شعور بالذنب” لدى الناجين الذين يعيشون في أمان نسبي بينما يعاني أهلهم وإخوانهم في الداخل. وتتأثر معنويات المجتمع بتقلبات حادة بين “التفاؤل” عند أي إشارة لتغير محتمل، و”الإحباط” عند استمرار الجمود أو تصعيد القمع. ومع ذلك، تبرز أحياناً لحظات “بناء التضامن” القوي، حيث يتجاوز النشطاء انقساماتهم في وجه خطر مشترك أو من أجل تحقيق أهداف مشتركة، مؤكدين على إمكانية تجاوز الجراح.
التفاعل بين فشل الدولة والمجتمع المدني في المهجر -تحديات وآفاق المستقبل
يتميز العلاقة بين فشل الدولة في إريتريا والمجتمع المدني في المهجر بطبيعة جدلية وديناميكية. ففي غياب دولة فاعلة، يطرح السؤال حول مدى قدرة هذا المجتمع المدني على العمل كـ “دولة بديلة” أو “حكومة ظل”. الواقع أنه يقوم بملء بعض الفراغات بشكل جزئي وغير رسمي، خاصة في تقديم الخدمات الإنسانية والتمثيل السياسي والدفاع عن الحقوق، لكنه يبقى عاجزاً عن ممارسة السلطة الفعلية أو تقديم الحماية الشاملة للمواطنين في الداخل. أما تأثير أنشطة المهجر على الوضع الداخلي، فهو تأثير معقد ومتدرج. فالضغط الدولي الذي تمارسه المنظمات الحقوقية والإعلامية، والتوثيق الدقيق للانتهاكات، ساهم في الحفاظ على القضية الإريترية حية في المحافل الدولية، وفي فرض عقوبات سابقة، وفي عزل النظام دبلوماسياً. لكن هذا الضغط لم ينجح حتى الآن في إحداث تغيير جذري في سياسات النظام أو زعزعة استقراره الداخلي، الذي يعتمد على آلة قمعية متينة واقتصاد حرب وسيطرة مطلقة على المعلومات. ويبقى السؤال الجوهري حول إمكانية هذا المجتمع المدني ليكون “قوة للتغيير” الحقيقي في المستقبل. الإجابة تعتمد على شروط عسيرة:
أولاً تجاوز الانقسامات الداخلية وبناء جبهة موحدة أو على الأقل تنسيق فعال بين مكوناته.
ثانياً، تطوير رؤية سياسية واضحة وجذابة للإريتريين داخل الوطن وخارجه، تتجاوز مجرد معارضة النظام.
ثالثاً تعزيز قدراته التنظيمية والمادية والاتصالية.
رابعاً حصوله على دعم دولي أكثر فاعلية وثباتاً، يتجاوز الإدانات اللفظية إلى ضغط حقيقي ومستمر. ويبقى “تحدي الاستدامة” هو الأكثر إلحاحاً، فكيف يضمن هذا المجتمع استمرارية عمله على المدى الطويل؟
وكيف يجتذب الأجيال الجديدة من المهاجرين التي لم تعش النضال أو القمع مباشرة؟
وكيف يوازن بين ولاءاته المزدوجة؟
هنا يأتي دور “المجتمع الدولي” الحاسم. يمكن للمجتمع الدولي دعم هذا المجتمع المدني بشكل فعال عبر توفير دعم مالي مستقر وشفاف، وحماية الناشطين من ترهيب النظام وملاحقته عبر آليات قضائية ودبلوماسية، وممارسة ضغط سياسي واقتصادي متصاعد على نظام أسمرا لوقف انتهاكاته والسماح بفتح فضاء سياسي داخلي. أما “آفاق المستقبل”، فهي مرهونة بتطورات داخلية وإقليمية غير مؤكدة. السيناريو الأكثر تفاؤلاً يرى في استمرار وتصاعد الضغط الدولي والنشاط المدني في المهجر، مقترناً بتغيرات داخلية محتملة (كخلافة أفورقي أو انشقاقات في النخبة الحاكمة)، قد يفتح الباب أمام عملية انتقال سياسي تدريجي. سيناريو أكثر واقعية قد يرى استمرار الوضع الراهن من الجمود والقمع لفترة طويلة، مع بقاء المجتمع المدني في المهجر صوتاً معارضاً وحيداً. بينما يظل السيناريو الأسوأ هو تصاعد العنف أو انهيار النظام بشكل فوضوي دون وجود بديل منظم، مما قد يؤدي إلى كارثة إنسانية وإقليمية. في جميع الأحوال، يبقى المجتمع المدني في المهجر، رغم كل تحدياته، الركيزة الأساسية لأي محاولة جادة لإعادة بناء الدولة والمجتمع الإريتري في المستقبل.
خاتمة:
إن التفاعل بين فشل الدولة في إريتريا وتشكيل المجتمع المدني في المهجر هو قصة مأساة وإرادة، من صدمة جماعية عميقة إلى ولادة فعل من خارج الحدود. لم يكن فشل الدولة مجرد ظاهرة سياسية تقليدية، بل كان عملية تفكيك منهجي للإنسان والمجتمع، خلفت صدمة نفسية واجتماعية عميقة نالت من الهوية والانتماء والأمان. هذه الصدمة، بدورها، لم تدفع بالشعب الإريتري إلى اليأس المطلق، بل دفعته، خاصة في المهجر، إلى إعادة تشكيل ذاته ومؤسساته. فالمجتمع المدني في المنفى، بكل تناقضاته وتحدياته، هو الرد الحيوي على الفراغ الذي خلفته الدولة الفاشلة. إنه ليس مجرد تجمع للاجئين، بل هو حامل للهوية، وفضاء للمقاومة، وأداة للإغاثة، ومحاولة جادة لبناء بديل سياسي واجتماعي. رغم الانقسامات وصعوبات التنسيق وضغوط الاندماج وترهيب النظام، يظل هذا المجتمع المدني الأمل الأكثر واقعية وديناميكية لمستقبل إريتريا. فهو يمثل، في جوهره، استمرارية للشعب الإريتري رغم محاولات الإبادة المعنوية والجسدية التي يمارسها النظام. إنه الدليل على أن فشل الدولة لا يعني بالضرورة فشل الأمة، وأن الصدمة يمكن أن تتحول إلى طاقة للبناء، وأن الفعل من خارج الحدود قد يكون البذرة الأولى لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة من العدالة والكرامة والحرية، عندما يحين أوان التغيير الحقيقي.




