تعليق سياسي

مراجعات حزب حادي السياسية والفكرية الجزء الثاني :مراجعات فكرية بين الأيديولوجية والدين

إعداد : الدائرة السياسية

مقدمة

ركز الجزء الأول من هذا المقال على تسليط الضوء على بعض المراجعات السياسية، مع الإشارة إلى ثوابت الحزب الوطنية في ثنايا المقال. ويأتي هذا الجزء استكمالاً لتلك المراجعات، وتبياناً لبعض المراجعات الفكرية، ويلخص هذا الجزء القضايا الخاصة بالأيديولوجيا والدين وعلاقتها بالعمل السياسي.

مشكلات الهوية

تعاني إرتريا صراعات منها الموروث والحادث، أفرزتها المظالم المتعددة التي كرسها النظام الدكتاتوري صاحب السلطة المطلقة، والتي هي مفسدة مطلقة. وتستحوذ الدائرة الضيقة للنظام على المقدرات الاقتصادية والقرار السياسي، دون تقييد ذلك بقيم مؤسسات وطنية ولا أسس قانونية. وقد تطور الصراع السياسي ليكون صراعاً على الهوية، نتيجة تغلب الهيمنة الثقافية والطائفية والجهوية والإثنية. إن الصراعات التي تبرز على أساس قومي أو طائفي أو غيرها من الأسس دون الوطنية هي مشكلات حقيقية تتطلب الحل السياسي والاجتماعي. وهي في الغالب نشأت للدفاع عن قضايا عادلة، ويمكن حلها سلميا. إلا أنها قد تحولت إلى صراعات سياسية، وعسكرية أحياناً، ويمكن حرفها عن توجهها بدفع خارجي، بالتأجيج الإعلامي الموجه، أو بالفعل السياسي المباشر بواسطة القوى الإقليمية، لأهداف ليست لها علاقة مباشرة بالمظالم الشعبية، فيشتد أوارها وتستعصي معها الحلول السلمية، وقد تصبح عابرة للحدود تجر إليها أطرافا إقليمية حتى تصبح المشكلة معقدةً.

فلسفة التدافع المتزن وحسم الجدل حول الهوية

واقتضت مراجعات الحزب تقرير أن بلداً تلك سماته، وهذه أوضاعه السياسية والاجتماعية، فإن استقراره مرهون بحفظ التوازن المجتمعي والديني والثقافي والحقوقي كفلسفة للعمل السياسي وأساس للحكم الرشيد. وعلى كل الفرقاء السياسيين وأصحاب الملل الدينية والنحل الفكرية والمكونات الاجتماعية، أن يتفقوا على شراكتهم المصيرية في الوطن، والقبول بالعيش المشترك على أرض واحدة، هو وطن اسمه إرتريا. لكن هذا لا يتأتى إلا بالتوافق على عقد اجتماعي دستوري يراعي خصوصية أطرافه  المعنية (أفراد المجتمع وجماعاته)، ويظل إقرار أفراد الشعب وممثليهم مرجعية العقد الاجتماعي، واحترام الدستور هو الضامن الرئيس لروحه واستدامته وتطبيقه. إنما جعل الدستور لينظم الحياة العامة على أساس المواطنة، مع مراعاة واحترام الخصوصية الثقافية والدينية والأعراف الاجتماعية الموروثة لدى كل مكون. وهذا يسهم في تحقيق الوحدة الطوعية بين مكونات الوطن ويحافظ على التنوع الديني والثقافي واللغوي والاجتماعي للوطن، ويعتبر ذلك إثراءً وعمقاً حضارياً يُكسب الوطن قوةً ومنعةً. بالمحصلة فإن الحزب يعتز بجميع مكونات الوطن ويناضل من أجل إحقاق الحق للجميع في البقاء والتنظيم والتعبير عن ذاته وهويته، والعمل على عدم إقصاء أي مكون اجتماعي أو ديني أو سياسي وصولاً إلى الديمقراطية التشاركية.

والديمقراطية التشاركية عندنا أن يسهم كل مكون سياسي أو مجتمعي بدوره في تطوير البلاد وازدهارها، من خلال برامج تنوير ثقافي أو توعية مجتمعية، أو دعوة دينية، أو تنظيم مدني، أو برامج سياسية، تعمل في تناغم وتنافس شريف على كسب مؤيدين لها دون الإضرار بالآخر، ودون العمل على إقصاء الآخر السياسي أو الاجتماعي من الحياة السياسية والاجتماعية.

فقه الولاء بين الدين والوطن والايدولوجيا

يرى الحزب أن الدين وقضايا العقيدة والفقه الديني شيء والأيديولوجيا شيء آخر. فالدين عقيدة سماوية ونص مقدس يُفهم في إطار أدوات التفسير والتشريع المعتبرة للدين.

بينما الأيديولوجيا فهي عقيدة فكرية بشرية تقوم على فهم المفكر للواقع، وإقرار محددات وأدوات تغيير الواقع، واستقراء المستقبل والإعداد له بالبرامج والحشد والتنظيم. وهو قد يستند إلى إيمان بدين ما والعمل لتمكينه، أو إنكار للدين والدعوة إلى إبعاده عن الحياة، أو قد لا يجعل الدين محدداً من محددات التفكير وينحو تجاه تقديس العقل البشري، أو قد يكون محايداً في المسألة الدينية، فيأخذ منها ما يخدم فلسفته الأيديولوجية.

والتنافس بين الفرقاء السياسيين يجب أن يكون على برامج سياسية. والتنافس الشريف مع إتاحة الفرصة للجميع الوصول إلى المعلومات وبشكل شفاف، هو ما يؤدي إلى عمليات الإصلاح. ومن بين معاني الإصلاح إتاحة الحرية الدينية وممارسة شعائرها.

 المسألة الدينية

أما في المسألة الدينية فكانت ولازالت رؤية الحزب ترتكز على ثلاث قضايا تعتبر من الثوابت.

القضية الأولى هي الأصالة. بمعنى أن الدين في المجتمع الإرتري متأصل في هويته، ومتجذر في عمق بنيته الاجتماعية، وهو كذلك مؤثر في حياة الناس وعلاقاتهم ببعضهم البعض. ويعد رجل الدين بشكل عام هو محل احترام الجميع، بغض النظر عن الدين الذي يعتنقه. والقضية الثانية هي توازن الهوية المجتمعية من خلال تمثيل الديانتين الرئيسيتين. وهى تقرير لحقيقة مفادها أن أي من الديانتين (الإسلام والمسيحية) في ارتريا لا تمثل أغلبية مطلقة. ولهذا فكما لا يمكن إبعاد الدين بالكلية عندما توضع الرؤية السياسية، كذلك لا يمكن أن يهيمن دين واحد دون سواه.

والحزب لا يحصر اهتمامه بطائفة أو بجهة جغرافية أو بقومية، إنما الاهتمام بكل فئات الشعب الإرتري وأمنهم في أنفسهم ومعاشهم. ويعمل على تعميق روح المواطنة النبيلة، وتغليب المصلحة الوطنية العامة على المصالح الفردية والفئوية والحزبية. والحزب يعلي من شأن الهوية الوطنية الجامعة التي تؤمّن الناس في حياتهم ، والأخوة الإنسانية التي تحترم الإنسان لذاته، لأن الله كرم بني آدم وجعل الإنسان خليفة في الأرض ليعمرها. ويقبل الحزب التعايش والتنافس السياسي في الوصول إلى حكم البلاد مع الجميع بما فيهم من يحمل عقيدة الإلحاد ناهيك عن من يحمل عقيدة أهل الكتاب، وأن نتعاون في المشترك الوطني العام ، وترك ما لا يتوافق مع عقيدتنا في الأمور الخاصة.

ويؤخر الحزب الهويات الفرعية كلها ويترك المُفسد منها، بما فيها النزعة الطائفية. وقد عرف قاموس كامبريدج الطائفية على أنها: “دعم قوي جداً للمجموعة الدينية أو السياسية التي تنتمي إليها، مما قد يسبب مشاكل بين المجموعات المختلفة” ويقول برهان غليون: “فالطائفية ليست الدين أو التدين. وإنما هي عكس ذلك تماماً إخضاع الدين لمصالح السياسة الدنيا، سياسة حب البقاء والمصلحة الذاتية والتطور على حساب الجماعات الأخرى.” ويوضح غليون أكثر إن “الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة، وبأنها تشكل سوقاً موازية (سوداء) للسياسة، أكثر مما تعكس إرادة تعميم قيم أو مبادئ أو مذاهب دينية لجماعة خاصة.” . النزعة الطائفية التي هي سلوك المسرفين في التنطع والغلو مذمومة، وهي لا تعني الهوية الدينية التي نعتز بها ونعمل على إتاحة الفرص أمامها للتعبير والتنظيم والتطوير. والهوية الدينية عنصر متقدم في تعريف الإنسان لنفسه وتعريف المجتمع للأفراد والمجتمعات. أما النزعة الطائفية فهي عنصر شقاق ديني وفتنة مجتمعية، ودعوة للحروب الأهلية، التي تتسبب في الكراهية بين الناس، وخراب المجتمعات والعمران. ويفقد الوطن في الحروب الأهلية بناءه المجتمعي المعتدل، ويستبدل بالأمن خوفاً ، ويشيع القتل على الهوية الذي يحل مكان السلم الأهلي والتعايش الاجتماعي. وتفقد الدولة في ظل تنامي النزعة الطائفية الاستقرار السياسي، وتضيع بالتالي فرص التنمية الاقتصادية.

والقضية الثالثة في المسألة الدينية هي شرط الحرية. وقد انتشرت كلا الديانتين في ارتريا من خلال الدعوة بالوسائل الترغيبية. وكان الانتقال من دين إلى دين يتم داخل البيت الواحد وفي وسط القبيلة الواحدة دون إكراه ولا ممانعة إلا ما ندر، ويبقى الجميع في رقعة أرض موروثة بينهم ، يتعايشون وفق نسق اقتصادي اجتماعي متوارث.

الدولة والدين

إن محاولة فرض دين أو فكر أو مذهب بعينه هو مسلك يؤدي إلى تفكك وتفسخ الدولة، وإرتريا ليست هي أرض إسلام بالإطلاق، ولا هي أرض كفر بالمطلق، ولا دار حرب مطلقاً، وإنما هي أرض عهد، وُجد فيها الشعب الارتري المتعايش والمتزاوج والمتساكن والمتجاور منذ قرون، ويمارس فيها الجميع شعائر دينه بحرية، ويعتنق من العقائد ما يراه صحيحاً، وقد يوجد في البيت الواحد والأسرة الواحدة دينان لا ينقم أحدهما على الآخر، وهناك قبائل مسلمة في المنخفضات الارترية  لهم إخوة مسيحيون بينهم أو في المرتفعات، بل إن القبيلة الواحدة تتوزع بين عدد من المكونات الارترية. كذلك فإن الحبشة حكمها النجاشي المسلم وشعبها مسيحي، وقد حكمها من بعده حكام مسيحيون وظل المسلمون في الجزء الإرتري فيها مواطنون وحقوقهم محفوظة في أغلب العهود، وكذلك ظل المسيحيون يأمنون على أنفسهم وأموالهم ودينهم في مناطق قبائل المسلمين وحواضرهم، فنحن يجب ألاّ نهدم هذا الإرث الحضاري القويم، وعلينا أن نشترك في حكم هذا البلد وإدارته كمواطنين مع ترك حرية الدين مكفولة للجميع، وهذه ليست حالة شاذة، فهناك دول مثل ماليزيا ولبنان وعدد من الدول الأوروبية تعيش هذا الواقع، واستطاعت من خلال ذلك النسق بناء دول حديثة ومجتمع متوافق، يعيش فيه الفرد متوفراً على حقه الديني والإنساني والقانوني. وهذا يقتضي بالضرورة إلى حياد الدولة بشأن المسالة الدينية وعدم تبني دين للدولة (مع بقاء الدين جزءاً جوهرياً من مكونات شعب الدولة)، ونحن نؤمن بوقوف الدولة على مسافة واحدة من مواطنيها بغض النظر عن دينهم، لأن الدولة لا تقوم على المعتقد، والدولة لا دين لها وإنما هي مظلة عامة سياسية يستظل بظلها جميع المواطنين والرعايا والمقيمين والزوار.

خلاصة

جاءت مراجعات حزب الوطن الديمقراطي الارتري – حادي – متوافقة مع فهم كوادره وهو أن السياسة رأي واجتهاد. وعليه تم التوافق بين أهل الرأي على تحول العمل التنظيمي إلى حزب سياسي برامجي مرجعيته هي المصلحة الوطنية العامة التي تُقدر بقدرها. وتقوم تلك المرجعية على مواثيق وبرامج الحزب وقرارات مؤسساته. ولا يلتزم الحزب بأي أيديولوجية، وهو منفتح على التجارب الإنسانية والأفكار النيرة والبحث والابتكار العلمي، ويأخذ منها ما يصلح للوطن وإنسانه. وفي كل ذلك يعمل الحزب من خلال استراتيجية وطنية شاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى