
العائد السياسي والاقتصادي لزيارات أسياس الخارجية
صدق حدس المحللين السياسيين مجددا في عدم توقعهم لإعلان أية إصلاحات سياسية في إرتريا، وأسياس أفورقي على رأس هرم السلطة، ولكن بعض من يحسنون الظن توقعوا أن يعلن عن بعض الإصلاحات الاقتصادية، وبخاصة بعد هزيمة التجراي، وخضوعهم للدولة الاتحادية، وبدء تسليم أسلحتهم الثقيلة، وشعور أسياس بالزهو نتيجة الانتصار عليهم، والمتابع للشأن الإرتري يدرك بأن فزاعة التجراي، وتوقع الهجوم الإثيوبي الكاسح، ـ حسب التعبئة السياسية ـ كانت الذريعة المعلنة لتعطيل كل المسارات السياسية والاقتصادية، وقد رفعت زيارات أسياس لكل من كينيا، والسعودية، والصين، وروسيا سقف التوقعات ومستوى الأمل لدى الشعب في تحسين الوضع الاقتصادي. ولكن الشعب الطيب نسي بأن أسياس من قساوته يسارع على وأد الأمل في النفوس.
صنف مؤشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للتنمية البشرية إرتريا في المرتبة 180 من بين 189 دولة، كما تصنف كأفقر بلد، نصيب الفرد فيه لا يتجاوز (500$). ومن الصعوبة أن نتوقع تحسن الوضع الاقتصادي فيه حاليا، وإرتريا تأتي في المرتبة 189 من أصل 190 دولة في تصنيف حرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية عالميا حتى 2021م بسبب هيمنة الحكومة على كل الأنشطة التجارية، والمشاريع الخاصة، وتحتل المرتبة 45 من بين 46 دولة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء.
علاقة إرتريا بالصين وروسيا: بدأت العلاقة الدبلوماسية مع البلدين بعد الاستقلال مباشرة، وظلت علاقات عادية، لم تصل إلى علاقة استراتيجية، وهذه أول زيارة على أعلى مستوى، فقد بلغت واردات إرتريا من الصين حوالي 69.9 مليون دولار في عام 2021. وهو مبلغ زهيد كما نلاحظ، وتتركز الواردات الإرترية في بعض السلع غير الأساسية، وبعض قطع الغيار، أما صادرات إرتريا للصين حسب الإحصائيات فقد بلغت حوالي 352 مليون دولار في عام 2021 وتتمثل في خام النحاس وخام الزنك.
كما بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا وإريتريا في عام 2022م حوالي 13.5 مليون دولار ، بما في ذلك 11.5 مليون دولار من واردات القمح.

ما الذي يبحث عنه اسياس في الصين وروسيا
مع أن إرتريا ضمن الدرع النوبي الذي يحتوي حسب الدراسات على كميات ضخمة من المعادن مثل النحاس والقصدير والزنك …وغيره، إلا أن أكثر ما يميز إرتريا اليوم هو الموقع الاستراتيجي، بامتلاكها شاطئا طويلا على ساحل البحر الأحمر، ومدخل باب المندب، الذي تمر به حوالي 12% من التجارة العالمية. وهو ما يجعل الدول العظمى تطمح في الحصول على موقع قدم فيه، عن طريق اتفاقيات طويلة المدى، كما هو الحال مع جيبوتي التي يزدحم فيها الوجود الدولي. وهو ما دفع الصين وروسيا الترحيب بزيارة أسياس أفورقي وعينهم على تلك الموانئ، وكانت الصين في بداية مشروع “مبادرة الحزام والطريق” حاولت الاستفادة من موقع إرتريا، ولكنها عدلت بعدما أدركت بأن النظام في إرتريا يفتقد إلى أبسط قدر من المؤسسية، فضلا عن تقلب مزاج الرئيس أسياس أفورقي، والجدير بالذكر أن إرتريا التحقت مؤخرا “بمبادرة الحزام والطريق” في نوفمبر 2021م، وهو ما حفز الصين لجس النبض، فقام وفد برئاسة وزير الخارجية الصيني بزيارة إرتريا في يناير 2022م وتمت مناقشة عدة موضوعات، ومن بينها تطوير الموانئ الإرترية، ورغبة الصين في استخدام هذه الموانئ، ولكن هذا الموضوع تأجل البت فيه إلى حين زيارة أسياس أفورقي للصين.
ونقرر هنا أننا لا ننكر بعض المكاسب الاقتصادية المحدودة التي يمكن أن تجنيها إرتريا من هذه الزيارات، بيد أن من الملاحظ أن أسياس ليس لديه مشروع سياسي وتنموي واضح، فلم يذكر ضمن التقارير التي وردت عن زيارة أسياس للصين أو روسيا بأن أسياس طرح أي شراكات اقتصادية أو عسكرية كبيرة، بعكس الرئيس الصيني، والرئيس الروسي الذين طرحا في مقدمة اللقاء المشروعات الاقتصادية بين البلدين.
وهنا نطرح سؤالا ما الذي كان يبحث عنه إذن أسياس أفورقي في كل من الصين وروسيا؟.
أسياس كما وصفه السفير الأميركي في أسمرا رونالد ماكمولن في 2008م في تقرير سري له، بأنه “مصاب بجنون العظمة” ، وهنا بكل ثقة يمكن أن نقول بأنه كان يبحث عن هذه العظمة، وبما أن الصين دولة عريقة وتحتفظ بدراسات سياسية ونفسية عن أغلب قيادات العالم، فقد أدركت ما يعاني منه أسياس أفورقي من عقد، فاستقبلته بحفاوة مبالغ فيها لتشبع غروره. لم يتحدث أسياس عن مشروعات اقتصادية تحتاجها إرتريا مع دول كبيرة مثل الصين وروسيا، ولكنه تحدث عن أهمية الندية مع الدول الغربية، وتعدد القطبية. وإمعانا في البحث عن هذه العظمة قرر أن يزور روسيا في هذا التوقيت، وكان يمكنه أن يؤخر زيارته لروسيا لتكون ضمن لقاء القمة الروسية الإفريقية في يوليو القادم. ولكن بوتن أيضا قدر الحالة النفسية للرئيس الإرتري الذي يبحث عن العظمة، والتي تجلت في بدء الجلسة بين الرئيسين، حيث تحدث بوتن عن التعاون الاقتصادي بين البلدين، بينما لم يتطرق أسياس أفورقي في الشراكة الاقتصادية والعسكرية بين البلدين، وإنما دلف مباشرة في موضوع القطبية، حيث أخرج من جيبه ورقة وبدأ يقرأ منها تقييمه لإخفاق الاتحاد السوفيتي سابقا، والاتحاد الروسي حاليا في تفريطهم في القطبية، وهو ما جعل بوتن مستغربا من المحاضرة التي ألقاها أسياس عليه، وطريقة الطرح، وكأنه أحد الباحثين وليس رئيس دولة يلتزم بالبرتكولات، وطريقة الحديث مع الرؤساء.
وجنون العظمة هذا هو الذي يمنعه من المشاركة في القمم الإقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيقاد، لأن ذلك أدنى من مستواه “أنفخ صدرك بالهواء تلد ريحاً”. وكما يقال “كل المفاسد التي وجدت في العالم إنما هي من مرض الغرور”.
إننا لا ننكر بعض المكاسب الاقتصادية المحدودة التي يمكن أن تجنيها إرتريا من هذه الزيارات، بيد أن من الملاحظ أن أسياس ليس لديه مشروع سياسي وتنموي واضح، فلم يذكر ضمن التقارير التي وردت عن زيارة أسياس للصين أو روسيا بأن أسياس طرح أي شراكات اقتصادية أو عسكرية كبيرة، بعكس الرئيس الصيني، والرئيس الروسي الذين طرحا في مقدمة اللقاء المشروعات الاقتصادية بين البلدين.
أسياس القطب الثالث
القطبية في المفهوم السياسي هو شكل من أشكال الهيمنة، فإذا استأثرت دولة واحدة عظمى بالقوة العسكرية والسياسية والعلمية، وما يستتبع ذلك من الهيمنة، وفرض القيم، مع إزاحة القيم الأخرى، بحيث تصبح قيمها هي القيم العالمية، فهذه يطلق عليها “القطبية الأحادية” وإذا توزعت القوة المذكورة بين دولتين في العالم فالمفهوم “ثنائية القطبية” فإذا تعددت مراكز القوة والتأثير فهنا يطلق عليه متعدد الأقطاب.
وبهذا المفهوم تقل الدول التي يمكن أن تمثل قطبا. إلا أن أتباع النظام الإرتري الذين تخشبت عقولهم، يحاولون إقناعنا بأن أسياس أفورقي لوحده يمثل قطب دولي. وبسطحية وتبسيط مخل وبطريقة استعراضية، تراهم يركزون على المظاهر مثل طريقة الاستقبال، وفرش السجاد الأحمر له، ورفضه الخضوع للضغوطات الغربية، ويتباهون برفضه لمساعداتهم. وإنه رئيس مختلف عن بقية الرؤساء، فهؤلاء لم يسألوا أنفسهم هل هذا هدف سامي يستحق كل هذا الضجيج؟ وكيف نتوقع من مثل هذه الجوقة الخاوية أن تساعد في معالجة العلل السياسية المتفاقمة للبلد. ماذا استفادت إرتريا طوال ثلاثة عقود من تلك المواقف المتصلبة الكذوبة؟!! والبلد ينحدر يوميا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ويهرب منه مواطنوه، لأنه يفتقد إلى أبسط ما يتوفر لبلد حر، وما الذي يعجبهم أن تصنف إرتريا كبلد من غير دستور، ولا انتخابات، ولا حريات، وأن رئيسها متعطش لسفك الدماء، وخلق الأزمات والحروب في الجوار؟!!. فهل هؤلاء لا يطلعون على أوضاع العالم، وما توفره الدول السوية من حقوق لمواطنيها، مهما وصلت درجة الفقر والدكتاتوريات فيها. وللأسف تعيد للأذهان حالة الخنوع والإذعان التي عاشتها الشعوب تحت الإمبراطوريات الإثيوبية، التي تكاد تجعل من الإمبراطور إلها قادرا في نظر الأتباع.
الموقف الأمريكي والغربي
أن أفضل طريقة عند أسياس أفورقي للاحتفاظ بالسلطة هو أن يوهم الشعب الإرتري بأنه يواجه عداء مستمرا من أمريكا والدول الغربية، وأعوانهم من دول الإقليم، وإن هذا العداء بزعمه نابع من رفض إرتريا التبعية وتمسكها باستقلال القرار، وحتى يوحي بأن زعمه صحيح تجده يعارض أي موقف تتخذه الدول الغربية، ونرى في كل خطاباته النمطية الفقيرة الهجوم على أمريكا، وبيع الأوهام. وهنا لا نجادل في سياسة الاحتواء والهيمنة الأمريكية، وأنها تكيل بمكيالين في تعاملاتها، فهذا نهج رائج في السياسة الأمريكية، ولكن الذي لا نستطيع أن نفهمه تصوير الحالة وكأن أمريكا ليس لها أعداء في العالم إلا أسياس أفورقي.
ومع هذه الخطابات الرنانة لأسياس فإن العلاقة بينه والأمريكان لم تصل إلى درجة كسر العظم، فأسياس لم يجرؤ أن يقدم على موقف استراتيجي ضد الغرب، وذلك بمنح الموانئ الإرترية للصين أو روسيا، ولم يرد في الاتفاقيات التي تمت مؤخرا مع الصين أو مع روسيا موضوع تأجير الموانئ، أو منح قاعدة لأي من البلدين، وإنما تأهيل بعض المرافق وتطوير بعض المواقع، وهذا الأخير في خانة المباح لدى الدول الغربية، فأمريكا والدول الغربية لا تمانع أن تشارك الصين أو روسيا في تطوير البنية التحتية للدول الإفريقية من الطرق والمطارات، والمرافق العامة مثل الجامعات والمستشفيات، ولكنها ترفض منح الصين الامتياز في المواقع الاستراتيجية، والاستثمارات الكبيرة. أعتقد أن أهم ما يبحث عنه اسياس هو أن تمنحه أمريكا بعض الاهتمام الذي وجده لدى الصين وروسيا، ومن ثم فلا بأس أن تستخدم هي تلك الموانئ، والسؤال هل هذا الرهان يمكن أن يتحقق؟.
في نظر أنصار النظام أن شتم أسياس لأمريكا والغرب بطولة، مع أن هذه الشتائم لا تحرك شعرة فيهم ما دام لم يهدد مصالحهم الاستراتيجية، فلا بأس أن يشتمهم، وكما يقول المثل العربي “أوسعتهم سبا وأودوا بالابل”.
أمريكا حتى وقت قريب لم تكن في عجلة من أمرها بشأن تغيير النظام كما ذكرت ذلك في الخطة التي أفسحت عنها مؤخرا ضمن الوثائق التي تتعلق بإرتريا، “بأنهم يعملون لما بعد أسياس الذي بلغ عمرا متقدما”
ومن غير المستبعد أن تعيد أمريكا النظر في خطتها السابقة، متى ما ضاقت ذرعا بتصرفات أسياس أفورقي، وقد تقدم في خطوة أكثر عملية، في سبيل إزاحة أسياس من المشهد كما يتوقع البعض، وبعض التحركات التي تحدث ربما تشي بشيء من ذلك فمثلا:
- عودة المبعوث الأمريكي الخاص إلى القرن الإفريقي “مايك هامر” إلى المنطقة بعد غياب طويل من بعد توقيع اتفاقية “بريتوريا” بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تجراي، والتي شملت جيبوتي وأديس أبابا ومقلي، تأتي بعد زيارة أسياس لكل من الصين وروسيا، ومن غير المستبعد أن رحلة المبعوث تأتي في سياق الضغوطات التي ستواجهها إرتريا.
- إيقاف المعونات الغربية لإثيوبيا بحجة توزيع المساعدات خارج نطاق الجهات المحددة، لا نعتقد أن الأمر كما يتداول وإنما جاء بالتزامن مع هذه الزيارة، في إطار الضغوطات على الحكومة الفيدرالية لتغيير موقفها من النظام الإرتري.
- محاولة ترميم التجراي علاقاتهم مع الأمهرا، فيه هدف مزدوج الضغط على الأورمو من جهة، وعزل أسياس أفورقي عن كل الفاعلين السياسيين الإثيوبيين الذين ستخدمهم كحصان طروادة في التدخل في الشؤون الإثيوبية من جهة أخرى، هذا بغض النظر عن إمكانية استجابة أبي أحمد لهذه الضغوطات، وهو يرى بأم عينه محاولات أمريكا لإزاحته، إذا وجدت من يسد الثغرة، ويتمتع بقبول شعبي، وبنفس القدر لا نتوقع بيع الأمهرا الموقف بهذه السرعة دون ضمانة كبيرة.
- استئناف كوادر التجراي لحملتهم ضد إرتريا بنفس الطريقة التي كانوا يديرونها قبل نوفمبر 2020م ويؤيد ذلك ما تسرب من معلومات من بعض قيادات التجراي بأنهم لم يسلموا كل أسلحتهم الثقيلة، جاء هذا في معرض حديثهم عن مواجهة إرتريا مجددا.
- يعتقد بعض المحللين إن إعلان البشير، منح روسيا قاعدة عسكرية بحرية هو ما عجل من بين الأحداث بسقوط حكومته، وكانت ستكون القاعدة الثانية لروسيا في المنطقة بعد طرطوس بسوريا. وعلى الرغم من أن إرتريا لم تقدم بعد بمثل هذه الخطوة، إلا أن الأمريكان قد يتحسبون لمثل هذا القرار، ويعملون للحيلولة دون وقوعه، لأن امتلاك روسيا قاعدة في البحر الأحمر سيكون ضربة قوية للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
لهذا وغيره يتوقع المراقبون أن تتصاعد الضغوطات على النظام الإرتري، فأمريكا لا تعوزها الحيلة متى قررت بصورة حاسمة إزاحة أسياس عن المشهد السياسي، كما لا تراعي الجانب الأخلاقي في إثارة الحروب وطحن الشعوب بعضها، في سبيل تحقيق استراتيجيتها. وبالتالي كل الأبواب مفتوحة في المجهول.
احتلت إرتريا المرتبة 189 من بين 190 دولة. سبب هيمنة الحكومة على الأنشطة والتجارية والمشاريع الخاصة.




