
هو الجيل الذي ناضل للوطن حافيا دون حذاء، وجائعا دون غذاء، في كتفه الرشاش وبنادق صدئة معدودة تحدى بها المحال، جيل العطاء دون مقابل، الجيل الذي ضحى للوطن بمستقبله وأحلامه وشبابه، وواجباته تجاه أسرته، التي كانت أسر فقيرة متواضعة المعاش، معظمها تنتظر الابن الأكبر ليتحمل العبء مع أبيه أو بعده.

حيث لا يوجد تأمين ولا معاش تقاعد، كل حلم الأسرة وأملها ورصيدها المستقبلي هو هذا الابن الكبير، فالأسرة في مجتمعنا لا تعني الأسرة الصغيرة، من زوج وزوجة وأبناء، بل تمتد لتشمل الأهل والأقارب في مجتمعنا الطيب المتراحم المتعاون والمتكافل.
بالرغم من تلك المسئوليات والأعباء النفسية حيث آمال الأهل واحتياجاتهم، فإن جيل سيلمان كليم تحمل تلك المشاق من أجل الوطن إرتريا وشعبها، حيث قرر بالرغم من كل تلك الصعاب بأن يمشي في جبال ووديان إرتريا بما يملك من عدة وعتاد متواضع وقليل من الزاد والإسناد، التي عبر عنها سليمان كليم الشاعر الثائر في قصيدته المشهورة التي تغنى بها الفنان الثائر إدريس محمد على فك الله أسره:
أمشي على قدمي حافيا دون حذاء وأطوي على بطني جائعا دون غذاء
واتحمل المشاق من أجل إرتريا
أغنية أمشى على قدمي حافيا دون حذاء شعر الشاعر الراحل سليمان كليم وغناء الفنان المعتقل إدريس محمد علي
وهذه لم تكن مجرد كلمات وأفكار خاوية وتنظير ثوري حالم، بل كانت مرحلة واقع معاش لسليمان كليم وجيله، شعارهم فيها لا معنى لفكر وتنظير لا ينبني عليه عمل، ولا معنى لعمل لا يؤسس على ضوء رؤية وفكر، لهذا نرى المناضل سليمان كليم تصديقا لما قال من أشعار تحمل المشاق من أجل إرتريا.
فمرة نراه يعش هذا المشاق كطالب يتظاهر ضد هيلي سلاسي في القاهرة في بداية الستينات من القرن الماضي، حيث تحمل مشاق الإبعاد من مصر إلى سوريا، وبهذا انقطع مشواره التعليمي من أجل الوطن، وتارة أخرى يعيش هذه المشاق في ساحة النضال حيث الصراعات الفكرية والحروب الأهلية بين رفاق السلاح ومعركة قرقر، ومرة أخرى كسجين في سجون قوات التحرير الشعبية نتيجة لتلك الخلافات القديمة المتجددة، حيث تحمل مشاق ظلم رفاق النضال والبعد من الأسرة والأبناء.
وتحمل أيضا هذه المشاق وهو في داخل الوطن الذي حلم بأن يراه حرا متطورا يتحقق فيه السلام والأمن والعدل، حيث حاول بالرغم من كل الخلافات الفكرية والنضالية بأن يسهم في بنائه وتعميره بعد الاستقلال، لكنه وجد نفسه في داخل الوطن في مشاق أخرى من القهر والظلم والتهميش والمراقبة الأمنية.
مما جعله يتخذ القرار الأصعب والشاق على نفسه، بأن يغادر ويهاجر من الوطن الذي حلم في شبابه بأن يعود إليه منتصرا محررا، ألا وهو العودة إلى نقطة البداية العودة إلى كسلا، مجبرا بأن يتخلى عن حلمه وهدفه وهدف رفاقه، والشرف الذي كان يبحث عنه طيلة مسيرته النضالية، ليترك مكرها دار العم والخال.
ليعود لي شرفي ودار العم والخال

كم يصعب على الإنسان بأن يتحمل كل تلك المشقات وتكلفة النضال، بعد كفاح طويل مرير وأن يجبر على اتخاذ قرار ترك الوطن وهجر دار العم والخال وارض الصبا وربوعها وهو في عمر الكهولة، الوطن الذي قرر سليمان كليم بأن يأتي إليه في الماضي القريب وهو شاب للنضال من أجله من مصر وسوريا، حتى وإن كان هذا المجيء حافيا دون حذاء، لكن أقدار الحياة قدرت بأن يتحمل جيل سليمان كليم هذه المشاق مرة أخرى مضطرا مجبرا على الهجرة.
كم هو شاق على سيلمان كليم وجيله بعد أن تذوق العذاب وتسلق الجبال من أجل أن يضمد جراح شعبه ويسهم في إعادته إلى الدار من حياة الحرمان واللجوء، ليجد نفسه من جديد وسط هذه الجراح التي مازالت تنزف، ويجد الأم وأبنائها مازالوا في العراء.
هذا أبي جريح وتلك أمي في العراء
كم هو شاق على سيلمان كليم وجيله الذي حلم بأن أخته وابنته التي حلم وناضل بأن يراها معلمة في مدرسة، دكتورة في مستشفى وموظفة في دوائر الحكومة، تسهم في البناء والتعمير والتنمية، لكنه في هجرته الثانية إلى كسلا وجدها في نفس المكان، ولكنها أسوأ حالا، أخته التي كان يتألم لعناء لجوئها، أصبحت في مأساة أشد وأنكى، حيث أجبرت بأن تكون سلعة تباع وتشترى بدءا من معسكر ساوا مرورا بصحراء سيناء ومعسكرات ليبيا حيث تجار البشر.
وأختي لاجئة تواجه كل العناء
كم شاق على سليمان كليم بأن يرحل من الوطن بعد نصف قرن ويزيد من النضال ويترك الوطن وهو يعاني صراعات الحدود والوجود، وشرعية البقاء في ظل الدكتاتور العجوز.
كم شاق على سليمان كليم وجيله بأن يترك الوطن وفيه الآلاف من السجناء. في أيام النضال كان حلم هذا الجيل، بأن يصبح الصبح ولا يبقى في الوطن لا سجين ولا سجان، كان يعتقد بأن آخر قيود السجون في الوطن كسرها يوم حرر السجناء من سجن عدي خالا، ولكن مع الأسف في مشاق أخرى يغادر سليمان كليم الوطن، وبعض الرفاق والآلاف من مختلف شرائح المجتمع في سجون اسياس دون محكمات وبلا قانون.
كم شاق على جيل سليمان كليم، بأن يترك الوطن وهو ممزق منقسم، في ظل حكومة الفرد المؤقتة بلا دستور ولا قانون لربع قرن من الزمن. فكم من مشاق تحمل سليمان كليم وجيله من أجل الوطن ورحلوا من هذه الدنيا الفانية!!.
لذا هل نكتفي بمكافئة هذا الجيل بكلمات وتأبين فقط؟! هل هذا ما جادت به من العرفان أجيال الأبناء والأحفاد لجيل المشاق والتضحيات الجسام؟!.
المطلوب ليس كلمات وتأبين، المطلوب فعل في الأرض وتغيير الواقع المرير، المطلوب يقظة الفكر، وبناء نخب مدركة وفاعلة ومجتمع مساند وداعم ومؤيد، له مشروع لبناء وطن وتحقيق كرامة الإنسان.
المطلوب لرد الجميل، رؤية وطنية وميثاق شرف وطني يجدد الشباب عبره العهد والوعد والمشي قدما في طريق استكمال أهداف الثورة، وبناء دولة الحرية، والقانون، والعدالة، والمؤسسات، ودولة المواطنة، وحتى نوفي لنضال سليمان كليم وجيله حقهم، ونحقق حلمهم، المطلوب العمل بوصية سليمان كليم.
باسم هذا الفلاح وكل تلك الجراح
ليت الكلام مباح الوحدة هي النجاح
وحدة كل الثوار النصر والفلاح
اللهم ارحم سليمان كليم وأغفر له وأكرم نزله وآنس وحشته ووسع مدخله وأجعل قبره روضة من رياض الجنة
تعازينا للأسرة الكريمة وللأخ محمود كليم ولرفاق سليمان في الهدف والنضال، وللشعب الارتري في الوطن والمهجر.
إنا لله وإنا إليه راجعون




