مقالات

قل مقاومة… ولا تقل معارضة الأستاذ /فتحي عثمان

بعد ندوة السبت الثاني من مايو الجاري التي نظمها حزب الوطن الديمقراطي الارتري “حادِي”، وفي الجزء الذي تناول عنوان المعارضة: الإشكالات والحلول، انصرف جزء كبير من انتباه المستمعين إلى جوانب التفكيك اللغوي على حساب الفكرة والمفهوم، مما دفع بعض الإخوة الحادبين إلى دفعي لكتابة هذا التوضيح؛ إزالة للإلتباس، خاصة وأني لم أكن الضيف الوحيد في الندوة.
أود الايضاح بأن ما حاولت وكابدت من أجل توضيحه في الندوة لم يكن بأي حال أمراً من أمور “الترف الفكري” كما أسماه البعض، بل هو أمر في غاية الأهمية ويستدعي كل جهد مخلص في جلاء أبعاده وبيانها وذلك لما يلي من الأسباب:
هناك خلاف جذري بين مفهومي المعارضة والمقاومة؛ وهو خلاف حاسم وجوهري ولا يحتمل التجاهل أو التلاهي، ويشمل ذلك الخلاف مستوى الغايات والأساليب والنتائج.
فعلى مستوى الغايات: تعتبر المعارضة شكل من أشكال المحافظة السياسية Conservatism لأنها “تعمل” مع من تعارضه وفقا لقواعد لعبة سياسية متفق عليها. فمثلاً المعارضة في الديمقراطيات الغربية العريقة “لا ترفض” البناء السياسي القائم، بل تلعب ضمن شروطه الموضوعة سلفاً، وهي بذلك تحافظ على بقاء المجتمع السياسي والمجال السياسي القائم. إذن المعارضة “تكرس” المجتمع والمجال السياسيين الموجودين سلفا.
من ناحية مضادة، تهدف المقاومة إلى تغيير المجتمع السياسي القائم ومجاله، عبر تغيير القيم السياسية والفاعلين السياسيين والاشتراطات البنيوية لقواعد اللعبة السياسية وتغيير التفاعل المجتمعي بأشكاله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك عبر إعادة توزيع السلطة والثروة والموارد وفقا لقيم اجتماعية منتصرة وجديدة، والانحياز إلى المظلوم ضد المستبد. ويكمن في قلب هذه العملية مفهوم “النفي التام للآخر المستبد”. وبينما تعتمد المقاومة مفهوم النفي، تعتمد المعارضة على مفهوم “الإثبات” بتكريس قواعد اللعبة السائدة.

تعتبر المعارضة شكل من أشكال المحافظة السياسية Conservatism لأنها “تعمل” مع من تعارضه وفقا لقواعد لعبة سياسية متفق عليها. فمثلاً المعارضة في الديمقراطيات الغربية العريقة “لا ترفض” البناء السياسي القائم، بل تلعب ضمن شروطه الموضوعة سلفاً، وهي بذلك تحافظ على بقاء المجتمع السياسي والمجال السياسي القائم. إذن المعارضة “تكرس” المجتمع والمجال السياسيين الموجودين سلفا.

ومن الفروق الحاسمة أيضا أن المعارضة لا تكتمل دون القبول بالشروط الاقتصادية والاجتماعية والنظام السياسي القائم؛ إذ أنها تعتبر نفسها “مساوية” للخصم في لعبة التدوير السياسي “الانتخابات”: أي أن حزب العمال البريطاني، مثلاً، يرى نفسه مساوياً في الحق السياسي ” إن لم يرى نفسه أفضل” من نده حزب المحافظين. أي أن مبدأ المساواة مبدأ جوهري في حالة المعارضة. بالمقابل تستمد المقاومة شرعيتها من انعدام مبدأ المساواة وعسف الاستبداد؛ فبينما تتشمس المعارضة على شاطئ المساواة، تسعى المقاومة إلى “خلق المساواة” ذاتها وشتان بين الهدفين.
عليه فإن المقاومة، عكساً تماما للمعارضة، تفترض أنه ليس هناك أي شكل من المساواة: الاقتصادية والسياسية والثقافية في ظل الاستبداد؛ بينما في نفس الوقت تتمسك المعارضة بالمساواة القائمة لأنها تحقق شروط لعبة المحافظة عبر معادلة حظوظ اللاعبين في المجال السياسي.
وهذا يعني أن المقاومة فعل ثوري؛ بينما المعارضة فعل محافظ، حتى ولو رام حلول محل الحاكم المستبد؛ لأن الفعل المعارض محافظ بطبيعته.
ويتضح هذا أكثر حينما نتبين أن المعارضة تسعي إلى تطبيق سياسات وفقا لنظام متعارف عليه وقواعد مساواة اللاعبين، سواء كان هؤلاء اللاعبين ممثلين لطبقات أو فئات اجتماعية؛ بينما تهدف المقاومة إلى “هدم” هذا البناء الاجتماعي والسياسي من أساسه، وذلك عبر تغيير الطبقات المستفيدة من التفاعل السياسي ” الشعب ضد المستبد وأعوانه”. تسعى المقاومة في المحصلة النهائية إلى خلق نظام اجتماعي وسياسي بعد مرحلة الاستبداد بما يسمح بالتعددية، وبما يسمح كذلك بظهور المعارضة “كآلية للتدوير السياسي” وفقا لمبدأ المساواة الذي كان معدوما في ظل الاستبداد. فبينما تهدف المقاومة إلى تغيير النظام من جذوره، تهدف المعارضة إلى تغيير اللاعبين فقط ” إحلال الأحزاب محل الفرد المستبد” بتمكينهم كرؤساء أو رؤساء حكومات. عليه فإن المقاومة تخلق معارضة؛ ولكن المعارضة لا تستطيع أن تخلق مقاومة. وكما ذكرنا في الندوة فإن ذلك يؤدي إلى “انكسار هيكلي”، فالمعارضة حسب هذا التباين في الناتج تضع نفسها والمستبد على قدم المساواة في نفس المجال السياسي وشروطه: أي أنها تنوي فقط “الاستيلاء” على السلطة وإبعاد الحاكم المستبد ثم بعد ذلك تضع خططها موضع التنفيذ وهذا ما أدى ” في حالة المعارضة الارترية بشكل خاص” إلى ظهور حالة “الإرجاء” Delaying وبموجب هذه الحالة تؤجل المعارضة الحالية حل كل المسائل الحاسمة التي تعني الشعب إلى مرحلة ما بعد “الاستيلاء على السلطة”: أي أنها تريد تنفيذ برنامجها الانتخابي بعد الفوز على الطاغية. وهذا هو الجواب على غياب دور الشباب والمرأة والعمال في المعارضة الحالية؛ لأن الاستيلاء على السلطة لا يحتاج إلى هذه الموارد البشرية الثمينة ” فقد تحققه المنية والموت” كما نرى هذه الأيام، ووفقا لهذا الفهم المعارض فإن المهمة الوطنية الأساسية هي الجلوس على عرش الديكتاتور واستخدام عصا السلطان السحرية في معالجة مشاكل الشعب مستقبلا. فبينما تطلب المقاومة الوطن، تطلب المعارضة السلطان. وهذا ليس فرقا يمكن الاستهانة به أو التقليل منه.
ولأن المقاومة تريد الفوز بالوطن “الكنز” فإنها تبني سواعد الشباب والمرأة والمجتمع المقاوم من أجل إزالة السلطة من جذورها، وليس الحصول عليها كغنيمة لحرب سياسية. هذا يعني تقديم خيار مجتمعي جديد يخلق مجالا سياسيا جديدا بالضرورة. فهدم القديم لا يتم دون بناء السواعد، من هنا تبني المقاومة السواعد من الآن بينما لا تحتاج المعارضة لهذه السواعد لأن الفوز بالسلطة ليس مكلفا مثل الهدم والبناء من جديد. بالنسبة إلى المقاومة الحقيقية الهدف هو إبدال القيم المجتمعية والمجال السياسي التابع للقيم الاستبدادية البالية وإعادة توزيع الثروة والسلطة والموارد بناء على قيم جديدة. ويثير هذا التمايز الجوهري سؤالا طالما تردد في الاذهان وهو: لماذا لا يستطيع المواطن الارتري التمييز بين اسم وبرنامج حزب سياسي معارض وآخر؟

لأن المقاومة تريد الفوز بالوطن “الكنز” فإنها تبني سواعد الشباب والمرأة والمجتمع المقاوم من أجل إزالة السلطة من جذورها، وليس الحصول عليها كغنيمة لحرب سياسية. هذا يعني تقديم خيار مجتمعي جديد يخلق مجالا سياسيا جديدا بالضرورة

الإجابة على هذا السؤال توضح الفرق الحاسم بين المعارضة والمقاومة. ففي الوضع الراهن لا يستطيع المواطن الارتري التمييز بين حزب وأخر سواء في الاسم أو البرنامج أو الهدف بسبب أن كل الأحزاب تريد ارتريا ديمقراطية وكلها تريد ارتريا فيها العدالة والمساواة …. إلخ من كل الشعارات المتشابهة، بالضبط مثلما يريد الحزب الديمقراطي ومثله الحزب الجمهوري أمريكا قوية وشعب أمريكي مزدهر؛ ومثلما يريد حزب العمال والمحافظين بريطانيا عظمي اسما وفعلا، وهذا التطابق يعزى إلى أنه في حالة المعارضة يرتدي الجميع نفس الأزياء مع تغيير الألوان فقط؛ ولكن عند المقاومة تتباين المطالب الراديكالية فتتضح الخطوط الفكرية الفاصلة بين كل حزب وآخر. والأحزاب الارترية الحالية ارتضت حالة المعارضة بكل رهاناتها الحالية والمستقبلية فأصبحت للمواطن كوجوه العملة الواحدة، مهما قلبتها فأنت لا زلت تمسك بنفس العملة دون تغيير.
وزبدة القول: أن ما يحدد كونك معارض أو مقاوم هو فهمك لطبيعة الاستبداد وتحديد دورك في مقاومته. ونتائج الثلاثين عاما من العمل المعارض خير بيان وبرهان. فهل سيتم الانتقال من طور المعارضة إلى طور المقاومة؟
ليست، فيما نحسب، أن هذه الفروقات الجذرية أمراً يستهان به ويتم تجاهله؛ ولمثل هذا وجب الكلام الدال والمداد المسال.
ومن يحسب أو تحسب أن هذا ترفا فكريا؛ عليه/ها عدم تجشيم نفسه/ها عناء قراءة هذا المقال والانصراف إلى ما هو أنفع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق