متابعات إعلامية

ن بوست : إريتريا ما بعد أفورقي.. هل تنجح المعارضة في توحيد صفوفها أم تستمر الديكتاتورية؟

 بقلم محمد مصطفى جامع

على أي معلومة من إريتريا تعد مهمة في غاية الصعوبة خاصة إن لم تكن المعلومة أو الخبر في صالح نظام الرئيس أسياس أفورقي الذي يحكم البلاد بالحديد والنار منذ استقلالها عام 1993، ولا يسمح بدخول وسائل الإعلام الإقليمية أو الدولية ولا حتى المحلية غير وسائل الإعلام المملوكة لحزبه “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة”، رغم أن نظامه لا علاقة له على الإطلاق لا بالديمقراطية ولا بالعدالة.

خلال الفترة الماضية، تداولت مواقع إخبارية إريترية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنباءً عن تدهور صحة رئيس النظام أسياس أفورقي “74 عامًا”، فقال البعض إنه نُقل إلى مستشفى سعودي للعلاج من سكتة دماغية ألمت به، بينما ذهب آخرون إلى وفاته دماغيًا.

عزز صحة هذه الأخبار أن الوضع غير طبيعي بالمرة في إريتريا، فعاصمتها أسمرة تخضع لإغلاق كامل يفوق أزمة فيروس كورونا، فهناك العديد من التقارير تؤكد انتشار قوات الأمن في الشوارع، فضلًا عن أن السلطات تطلب من المواطنين الحصول على تصريح أمني من أجل الخروج لشراء الضروريات عكس ما هو جارٍ في دول الجوار مثل إثيوبيا والسودان والصومال.

تجاهل حكومي

الحكومة الإريترية لم تعقب رسميًا على هذه الأخبار والشائعات المتداولة التي اقتصرت على وسائل التواصل والمواقع الإخبارية، لكن أفورقي ظهر على شاشة التليفزيون الحكومي في الـ18 من الشهر الماضي متحدثًا عن جائحة كورونا، وقدم التهنئة للمسيحيين بعيد الفصح وللمسلمين بشهر رمضان.

إلا أن ظهور زعيم النظام الإريتري لم يكن مقنعًا للكثيرين، خاصة أنه بدا شاحب الوجه منخفض الصوت، كما قرأ كلمته من ورقة مكتوبة على غير العادة، فهو الذي يفضل الحديث بحرية، فضلًا عن أنه لم يلقِ من قبل أي كلمة رسمية في المناسبات الدينية المختلفة مثل شهر رمضان أو عيد الفصح، كما قال أحمد عمر الصحفي السابق في وزارة الإعلام الإريترية.

ولذلك فسر معظم المراقبين والمحللين خطاب الرئيس أفورقي بأنه جاء فقط للتأكيد أنه بخير وعافية، وكانت الأخطاء الفنية والتقنية الواضحة مؤشرًا على ذلك، وعلى رغبة نظام الجبهة الشعبية في التستر على صحة رئيسه الذي يعود آخر ظهور فعلي له قبل الخطاب إلى الـ20 من فبراير/شباط الماضي عند زيارته للسعودية.

صحيفة “ديجتال وياني” المقربة من جبهة تحرير تيجراي الإثيوبي الحاكم في الإقليم الحدودي مع إريتريا، نشرت أواخر الشهر الماضي خبرًا عن وفاة أسياس أفورقي، وقالت إنها ستنشر المزيد من التفاصيل لاحقًا، لكنها لم تنشر شيئًا وربما كانت المعلومة التي وصلت إلى مصادر الصحيفة مبالغ فيها قليلًا، فكل المؤشرات تدل حتى الآن على تدهور صحة أفورقي وليس وفاته كما سنبين لاحقًا في هذا التقرير.

بخلاف الانشغال العالمي بجائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط، فإن عملية التحقق من صحة الأخبار والمعلومات من الجانب الإريتري أشبه بالمستحيل

السؤال الذي قد يدور في أذهان كثيرين.. كيف تغيب مثل هذه التطورات في إريتريا عن وسائل الإعلام الرسمية؟

بخلاف الانشغال العالمي بجائحة كورونا وانخفاض أسعار النفط، فإن عملية التحقق من صحة الأخبار والمعلومات من الجانب الإريتري أشبه بالمستحيل، إذ لا يجري قيادات النظام وعلى رأسهم وزير الإعلام في أسمرة يماني قبري مسقل أي مقابلات صحفية مع وسائل الإعلام الخارجية، ولا يستطيع أن يغرد بشيء على حسابه بموقع تويتر من غير إذن أسياس أفورقي كما يؤكد ناشطون.

مستقبل إريتريا بعد رحيل أفورقي

آخر الأنباء الواردة تشير إلى أن أسياس أفورقي على قيد الحياة، وأنه عانى بالفعل من سكتة دماغية بسيطة، تلقى علاجًا لها في المملكة العربية السعودية في وقت سابق من هذا الشهر، ويُقال أيضًا بحسب موقع Eritrea Hub أن الرأي الطبي ينصح بعدم استمراره في منصب الرئيس.

وتشير تسريبات أخرى إلى وجود صراعات بين جنرالات النظام على السلطة، فأبرز المرشحين لخلافة أفورقي هو العقيد سايمون قبري نائب رئيس وكالة الأمن القومي إلى جانب أبرها كاسا رئيس جهاز المخابرات، وقييم تسفا ميكائيل رئيس المخابرات الخارجية، بحسب ما ذكرت شبكة رصد إريتريا.

لكن مارتن بلاوت الصحفي البريطاني المتخصص في الشأن الإريتري يرى أن وزير الحكم المحلي ولدي ميكائيل أبرها وهو من قادة الحزب الحاكم، هو الأوفر حظوظًا لتولي منصب الرئيس خلفًا لأفورقي بدعم من مجموعة لا يستهان بها في الجبهة الشعبية على رأسهم يماني قبر آب المستشار السياسي والعقل الموجه لأفكار رئيس النظام، ويلفت بلاوت إلى أن هذا لا يعني أن أبرها سيمتلك السلطة الحقيقية.

بينما تشير مصادر قناة Allena media TV إلى أن السعودية والإمارات تفضلان توريث الحكم في إريتريا إلى أبراهام ابن رئيس النظام أسياس أفورقي رغم أنه يجد معارضة داخل أروقة الحزب الحاكم بحجة أنه ضعيف الشخصية ولا يستطيع قيادة الدولة.

أين المعارضة الإريترية مما يجري داخل البلاد؟

من الملاحظ أن المعارضة الإريترية لم تبدِ ردة فعل واضحة عما هو متداول عن صحة رئيس النظام وخطوات توريث الحكم، فكل ما تفعله أحزاب المعارضة الإريترية حاليًّا هو مراقبة ما يحدث دون أن تكون هناك خطة عمل واضحة لمرحلة ما بعد أسياس أفورقي.

أمام المعارضة الإريترية اليوم فرصة لا تعوض لتوحيد صفوفها والتخلي عن الخلافات والمواقف المتصلبة والصراعات الشخصية من أجل الوطن

ومهما كانت قبضة ديكتاتور أسمرة قوية على مقاليد السلطة، ومهما نكل بأبناء الشعب فهو في النهاية بشر سيموت سواء كان موتًا طبيعيًا أم بحادثة مقصودة، خاصة أن أفورقي يعاني بالفعل من عدة أمراض وقد سرت في العام 2012 إشاعة مفادها أنه توفي إثر علة ألمت به لكن وزير الإعلام حينها علي عبدو نفى صحة تلك الأنباء.

ما ينقص النُخب الإريترية بالداخل والخارج هو توحيد الصفوف والتخلي عن إدمان الخلافات والصراعات التي يقوم بعضها على أساس جهوي وعرقي والبعض الآخر خلاف سياسي وثقافي على هوية الدولة الإريترية وتوجهاتها.

ومع ذلك هناك نموذجان للأحزاب الإريترية التي لديها نشاط واضح ورؤية يمكن أن تنجح في تقديم مبادرات توحد صفوف الإريتريين وتجمع شملهم:

الأول: المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي الذي انتخب مؤخرًا قيادتين تنفيذية وتشريعية جديدة تضم قرابة 70 عضوًا.

والثاني: حزب الوطن الديمقراطي الإرتري (حادي)، الذي عقد أيضًا مؤتمره العام في الفترة الماضية، وهو الحزب الإريتري الأكثر نشاطًا وتفاعلًا مع قضايا الساعة.

بطبيعة الحال لا أحد يشكك في وطنية ولا نضال باقي الأحزاب الإريترية التي يقدر عددها بـ60 حزبًا، لكن المشكلة التي تواجهها هي الصراعات المستمرة التي لولاها لما ظل أفورقي جاثمًا على صدور الشعب الإريتري طيلة 27 عامًا.

لا يوجد مانع من توافق الجميع على برنامج للحد الأدنى يضمن تحقيق الثوابت الوطنية التي لا خلاف عليها، مثلما توافقت أحزاب المعارضة السودانية في مطلع العام 2019 على إعلان “الحرية والتغيير”

هذه الخلافات والصراعات جعلت كثيرين يجلسون متفرجين على ما يدور في الساحة السياسية، بل إن البعض يرى أنه كان يمكن لأسياس أفورقي الاستمرار في السلطة إذا قدم بعض التنازلات مثل إطلاق سراح المعتقلين والسماح ببعض الحريات.

صحيح أنه لا مناص من الخلافات في أي مجتمع خاصة مجتمعاتنا الشرق إفريقية التي تغذيها الصراعات العرقية والثقافية، ولكن لا يوجد مانع من توافق الجميع على برنامج للحد الأدنى يضمن تحقيق الثوابت الوطنية التي لا خلاف عليها، مثلما توافقت أحزاب المعارضة السودانية في مطلع العام 2019 على إعلان “الحرية والتغيير” وعملت بصورة جماعية حتى تم إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.

أمام المعارضة الإرترية اليوم فرصة لا تعوض لتوحيد صفوفها والتخلي عن الخلافات والمواقف المتصلبة والصراعات الشخصية من أجل الوطن، والكرة الآن في ملعب الشخصيات القومية المستقلة والتكنوقراط ليشرعوا في الاتصال بالقوى السياسية من أجل الاتفاق على برنامج وطني عاجل، حتى لا تنتقل إريتريا من ديكتاتورية أفورقي إلى ديكتاتورية جديدة ترعاها الدول التي تعادي الديمقراطية وحركات التحرر ولا تدعم إلا الأنظمة القمعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق