متابعات إعلامية

هل تحوّل إسلاميو إريتريا نحو المدنية؟

أثار إعلان “الحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية”، في مؤتمره الأخير، تحوّله إلى الطرح المدني، وتغيير اسمه إلى “حزب الوطن الديمقراطي الإريتري” (حادي)، موجة من الجدل في الأوساط السياسية والأكاديمية الإريترية.

وما تزال التساؤلات قائمة حول جدية هذا التحول، رغم مرور أشهر على الإعلان الرسمي، لا سيما أنّ الحزب شهد عدة محاولات سابقة للتكيّف مع الأوضاع المحلية والإقليمية والدولية، دون أن تصاحب ذلك مراجعات فكرية وسياسية واضحة، باستثناء تخلّيه عن الخيار العسكري كأولوية، كما كان الحال في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، حين ظلّ يعمل تحت مسمى “حركة الجهاد الإسلامي الإريتري”.

فهل أجرى الحزب فعلاً مراجعات فكرية جوهرية تضمن تحوّله إلى الطرح المدني الديمقراطي وانفتاحه على الجميع، لا سيما في مجتمع يدين شعبه بالإسلام والمسيحية بنسب متقاربة؟ وهل أضحت الوسائل السلمية خياره الأوحد لتحقيق أهدافه؟ كما نصّ بيان مؤتمره السادس، أم إنّ الأمر لا يتجاوز سقف تغيرات شكلية تستجيب لبعض المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية، التي كشفت الغطاء عن أطروحات حركات الإسلام السياسي في المنطقة لا سيما في السودان، الذي ظلّ يمثل الحاضنة الأقرب لتجربة الحزب؟

يرى الباحث الإريتري، الدكتور إدريس جميل؛ أنّ “الحركة الإسلامية الإرتيرية لم تكن  بدعاً، منذ ظهورها كحركة سياسية في سبعينيات القرن الماضي، لجهة تأثرها بالأبعاد السياسية والفكرية العالمية، ذلك رغم أنّ السمة البارزة في منطلقاتها تتمثل في الارتباط الشديد بالواقع الإرتيري، ويتضح ذلك في مواثيقها وأدبياتها السياسية (الصادرة في الأعوام 1982، 1994، 1998، 2004، 2012)، وهي، وفق تصريحات قادتها، غير تابعة لأيّ تنظيم دولي، لكن لا يمكن إنكار وجود علاقة تعاون بينها وبين الحركات المشابهة لها في المجالات العامة، مع الاستقلالية من الناحية التنظيمية، لكن ثمة ارتباطات لها على المستويَين الفكري والأيديولوجي، كما أنّها تتقاطع على مستوى الممارسة، في عدم تمييزها بين العملية السياسية، والمؤسسات الدعوية والثقافية”.

يبدو أنّ الحزب يسعى لتحقيق أهداف بعينها، منها الاهتمام بالمضامين عوض الوقوف عند العناوين

تجاوز العنوان للاعتناء بالمضمون
ويضيف مؤلف كتاب “تاريخ الحركة الإسلامية الإريترية”: “ما حدث في المؤتمر الأخير للحزب الإسلامي الإريتري للعدالة والتنمية، الذي غيّر اسمه إلى حزب الوطن الديمقراطي، هو محاولة لمعالجة الإشكاليتين؛ بفكّ الارتباط الأيديولوجي من جهة، وفصل المؤسسات الدعوية والثقافية والاجتماعية عن العملية السياسية من الجهة الأخرى”.

من الصعوبة بمكان إجراء الحزب لقطيعة فكرية حقيقية، فهو مبني على الولاء والبيعة التي تفرض شروط الإذعان والإخلاص

وعن دواعي هذا التحول المفاجئ في مسيرة الحزب، يقول جميل لـ “حفريات”: “يبدو أنّ الحزب يسعى لتحقيق أهداف بعينها، منها الاهتمام بالمضامين عوض الوقوف عند العناوين، ذلك بهدف تحقيق حشد أكبر من خلال اختيار اسم عام وشامل، يقلل من حدة التناقض مع الطرف المغاير، وتجاوز الفرز السياسي الصارخ في الواقع الدولي والإقليمي، المعقّد في الوقت الحالي”.
وضمن هذا المفهوم يمكن القول، بحسب جميل؛ إنّ “الحزب الإسلامي سابقاً، وحزب الوطن حالياً، كان موفقاً في إعادة قراءته للواقع، وعلى ضوئه، أعاد تموضعه انطلاقاً من القيم الوطنية الأساسية: الحريات والعدالة والمساواة والديمقراطية”.
وفي ردّه على سؤال يتعلق بمدى جدية التحوّل من المرجعية الدينية إلى الفكر المدني، أو العلماني، إن صحّت التسمية، يقول جميل: “الحزب لم يعلن صراحة تبنيه العلمانية، لكن يفهم من خلال أدبياته التي خرجت خلال الفترة الماضية؛ أنّه أقرب إلى ما “تسمى مبادئ العلمانية الإيجابية”، كما جاء في مقابلة أحد قادته”.

ويردف جميل: “الواقع الإريتري يشهد تنازعاً بين تيارين أساسيين: تيار علماني يدّعي الفصل التام بين الدين والسياسة، ويتبنى ذلك النظام الحاكم، والمجموعات المتفرعة عنه وقوى معارضة أخرى، ومشكلة هذا الاتجاه، رغم أنّه يدّعي الفصل بين الدين والسياسة، وجود تناقض في ممارساته؛ فالنظام الإريتري، مثلاً، كرّس خلال الــ 29 عاماً الماضية، سيطرة المؤسسة السياسية على المؤسسات الدينية، وعمل على حرمانها من أيّة استقلالية، أما التيار الثاني؛ فيرفض العلمانية، وهذا التيار يشمل القطاعات المتدينة من الشعب؛ الحركات الإسلامية وبعض المؤسسات الدينية، بما فيها المسيحية، وهذا الاتجاه لم تتشكّل لديه الرؤية الكاملة الرافضة للعلمانية.
وفي تصوري؛ فإنّ الواقع الدولي والإقليمي وأدوات القوة والنفوذ ليست لصالحه، ومما سبق يبدو أنّ هذا المفهوم، بحسب رأي جميل، قد وقع في إريتريا بين قراءَتين بين الإفراط والتفريط، وأوصل الطرفين الى طريق مسدود، وأنّ تبني العلمانية الحيادية، سواء جاءت من حزب الوطن، أو أي حزب آخر، سيساهم في كسر ذلك الجمود وتزحزح أغلب الأحزاب إلى الوسط السياسي، الأمر الذي سيؤدي إلى استقرار البلاد”.

تحوّل جوهري أم معالجات تكتيكية؟
من جهته، يرى الصحفي الإريتري، أحمد شيكاي؛ أنّ “التحوّل الأخير للحزب هو ناتج رغبة سياسيّة ذات طابع تكتيكيّ، أكثر من كونه تحولاً منهجياً، فرغم ادّعاء قيادات الحزب أنّ القرار ناتج موضوعي لنقاشات طويلة، ومراجعات معمّقة، إلا أنّ هذا الادّعاء لا يقوى أمام متابعة بسيطة لكتابات وآراء المنتمين له مثلاً؛ إذ إنّهم ما يزالون يتحدثون كإسلاميين وأعضاء حزب عقائدي لا وطني شامل”.

ويؤكّد شيكاي، في إفادته لـ “حفريات”؛ أنّ “الحزب تميّز بتأهيل كوادره أكاديمياً، مستفيداً من واقع التشبيك الأيديولوجي القائم على المستوى الإقليمي، كما أنّ مكمن قوته التنظيمية ناتج من أيديولوجيته وبفقدها، قد يبدو عائماً في سطح واسع وممتدّ، ما سيفقده السيطرة على عضويته وعلى مواقفه”، ومن ثم على المستوى الداخلي؛ “الحزب في حاجة ماسة إلى تاريخه القديم وشخصياته التاريخيّة، وأيّة قطيعة أيديولوجية ستخلق حالة من التناقض الواضح، يصعب تبريره، لا سيما أنّه الحزب الوحيد، ربما، الذي ظلّ  لفترة طويلة يسعى إلى إنشاء تاريخه الخاص بعيداً عن بقية الحركات الإسلامية في إرتيريا”.

ويضيف شيكاي: “من الصعوبة بمكان إجراء الحزب لقطيعة فكرية حقيقية، على الأقل في الوقت الحالي؛ لأنّ أساس الانتماء في مثل هذه الكيانات مبنيٌّ على الولاء، والبيعة، التي تفرض شروط الإذعان والإخلاص”، والخروج عنها هو بمثابة الخروج عن الطاعة.
ويردف شيكاي: “تلك سمات تتميز بها الأحزاب العقائدية/ الدينية، نتيجة التنشئة التنظيمية الصارمة التي يخضع لها الأعضاء من خلال دورات مكثفة، وعقد المخيّمات الموسمية، التي تعمل على إنتاج أناس يشبهون بعضهم في كلّ شيء، وبعض التميّز الشخصي يحصل عليه الشخص عبر إضافته الذاتية لمعارفه، وينتهي بأغلبهم أنّهم يغادرون الحزب، نتيجة لتلك الإضافة”.
ويوضح شيكاي: “خطورة هذا الأمر في أنّ الحزب في ثوبه الجديد لن يكون قادراً على استيعاب أشخاص جدد لم يخضعوا لتربية تنظيمية، وحتى لو حدث ذلك؛ فإنّ المنتمين الجدد سيجدون أنفسهم أغلفة على كتب، لا يمكنهم الوصول إلى جوهر الحزب وفكرته، والشعور بالانتماء العميق له، خاصة أنّ الحزب يدّعي فتح أبوابه لجميع الإرتيريين، مسلمين ومسيحيين”، وهو أمر، بحسب شيكاي، غير قابل للتجسد.
وفي ردّه على “مشروع فصل النشاط الدعوي عن السياسي”، الذي أعلنه الحزب، يقول شيكاي: “يبدو لي أنّه مشروع غير عملي،  مع الأخذ في الاعتبار أنّ المشروع الدعوي، مشروع تقليدي فات عليه الزمن، لكنّه المشروع الوحيد الذي يميّز الأحزاب الإسلامية عن غيرها، وهو الوسيلة الناجعة للحشد والتجنيد”، ويُقدر شيكاي الخطوة التي اتّخذها الحزب على المستوى النظري، التي تعدّ مهمة لجهة أنّها قد تتيح للفضاء العام فرصة النقاش في قضايا الحريات والديمقراطية مع أعضاء وقيادات حزب لا يتحصنون بالمقدس، كما كان سابقاً؛ إذ يصعب أن تناقش شخصاً يتكئ على قدسية دين، وهو مرجعيته الأولى والأخيرة في بلد متعدد الأديان”.

مراجعات داخلية أم مسايرة للواقع الدولي؟
من جهته، يتساءل الباحث والدبلوماسي الإرتيري السابق، فتحي عثمان، عن محركات التحوّل الذي شهده الحزب الإسلامي؛ هل جاءت نتيجة مراجعات فكرية نابعة من الواقع الداخلي لإرتيريا أم لتغيرات المسرح الدولي؟
ويؤكد فتحي: “المراجعة التي تجري على مستوى البرامج السياسية تعدّ مهمة لأيّ تيار حزبي؛ ذلك لأنّ الواقع يتغير باستمرار، بالتالي؛ يتطلب مراجعات”، ويردف: “لكنّ السؤال المركزي هنا: هل ما أجراه حزب (حادي) خاضع لهذه الخاصية أم لا؟ لأنّ المراجعة المتخذة من منطلق التحولات الخارجية قد لا تخدم التجربة على المستوى البعيد؛ لأنّها تؤكد حالة الابتعاد عن الواقع الإرتيري قبل وبعد المراجعة ذاتها”.

ويؤكد فتحي عثمان؛ أنّ فكرة الدعوة لإجراء مراجعات لم يبتدعها الحزب الإسلامي للعدالة والتنمية، في الواقع الإرتيري؛ حيث “سبق أن طرحها القيادي الإسلامي، حسن سلمان، وأعلن أنّه مع الدولة العلمانية التي تحترم الدين وشعائره وحقوق وقيم المسلمين”، مؤكداً أنّه؛ “في حال قيام نظام علماني حقيقي في إريتريا، مثلما هو في الغرب، فمن الممكن أن نتعايش معه، وهذا أعدّه طرحاً متقدماً وبمثابة مراجعة”.

السودان أنموذجاً
من جهته، يقول الصحفي الإريتري، ومدير تحرير موقع “عدوليس” الإخباري، جمال همد: “التحوّلات الأيديولوجية تتطلب مخاضاً عسيراً، لا سيما عندما يتعلق الأمر، بأحزاب ناضلت طويلاً، لانتصار رؤية أيديولوجية، مرجعيتها المقدس”.

الحزب الإسلامي الحالي أقرب من حيث الشكل والتجربة للحركة الإسلامية في السودان، بحكم الجغرافيا والمشارب الفكرية والتجارب التنظيمية

ويضيف همد: “الحزب الإسلامي للعدالة والتنمية، هو أقرب من حيث الشكل والتجربة للحركة الإسلامية في السودان، بحكم القرب الجغرافي والمشارب الفكرية والتجارب التنظيمية، وأخشى أن يكون (حادي) يكرر تجربة الدكتور حسن الترابي في التحولات الكبرى التي قادها داخل حركة الإخوان بالسودان”.
ويؤكّد همد أنّ “الحركات الإسلامية تتأثر ببعضها، وتتطلع لتجارب نظرائها في الأقطار العربية والإسلامية، إلا أنّ تجاربها قد تكون متباينة نسبياً، فحركة الإخوان في تونس مثلاً، بنت مواقفها بعد الثورة على سلسلة تنظيرات ومراجعات فكرية معلنة، لكنّني حتى الآن لا أستطيع الجزم إن كان حزب “حادي” قد فعل ذلك.
فكلّ ما فعله، حتى الآن، أن نشر بياناً سياسياً، حمّال أوجه، بالتالي؛ لا يمكن المراهنة عليه كتحول جوهري نحو الطرح المدني الديمقراطي.

0%

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق