الواقع السياسي

الواقع السياسي النظام والمعارضة

1) إنجاز الاستقلال الوطني:- (للفترة من 1945 إلى 1993)

ظل الشعب الإرتري تواقاً إلى الحرية والاستقلال ولذا استمرت مقاومته للمستعمر وتفاوتت وسائل مقاومته حسب الأزمنة والأمكنة، ففي الأربعينيات كانت الوسائل السلمية هي الأبرز والمتمثلة في تكوين الأحزاب السياسية، والجمعيات المدنية المختلفة، والصحف الناطقة باللغات المتعددة، ثم كانت المدافعة عبر البرلمان الفيدرالي في بداية الخمسينيات، لترتفع وتيرة النضال السلمي تدريجياً إلى مرحلة الاحتجاجات والمظاهرات والعصيان المدني، الذي كان على رأسه حركة التحرير الإرترية، وعندما لم تُجدِ تلك الوسائل في ردع المحتل، وإحقاق الحق، ما كان أمام الشعب إلا خيار الكفاح المسلح الذي أعلنته جبهة التحرير الإرترية بقيادة الشهيد حامد إدريس عواتي، فخاض الثوار حرباً تحررية هي الأطول في القارة السمراء، إلى أن اندحر الجيش الإثيوبي القوي تماما في عام 1991م ليحقق الشعب الإرتري في عام 1993م مطلبه الرئيسي والمتمثل في الاستقلال، وامتلاك قراره بعد استفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة، وصوت فيه الشعب الإرتري بالإجماع  تقريبا بنسبة 99.83% لصالح الاستقلال التام.

2) الحكومة المؤقتة: (للفترة من 1993 إلى تاريخه)

إن حزب الجبهة الشعبية الذي كون أول حكومة إرترية ـ مؤقتة ـ بعد الاستقلال والتي لا تزال ــ مؤقتةـ حتى اليوم، أخفق في تحقيق تطلعات الشعب الإرتري لأكثر من ربع قرن من عمر الدولة الوليدة، فالحزب الذي فشل في تحقيق الديمقراطية في داخله حيث لم يعقد مؤتمره التنظيمي منذ 1994م، عجز أيضاً أن يقدم رؤية وطنية شاملة تستوعب تنوع الشعب الإرتري وتعدده السياسي والإثني، وتستجيب لمطالبه وطموحاته في العدالة والتنمية والاستقرار والبناء، وقد انعكس ذلك سلباً على الدولة، سياسياً وإدارياً واقتصادياً، فقد أهدر النظام مقدرات البلاد لتظل إرتريا في ذيل القائمة من حيث التنمية، ولتصنف من أكثر الدول انتهاكا لحقوق مواطنيها، والأكثر فقراً، ولتعتبر من أكثر الدول التي يلجأ منها شعبها، وتعاني حدودها التوترات مع كل دول الجوار، ولهذا تعرضت لعقوبات دولية نتيجة مواقفها المتناقضة مع السلام والاستقرار في القرن الإفريقي، وهو ما جعلها في مواجهة الإقليم  وقبل ذلك في مواجهة شعبها.

3) المعارضة الإرترية: (من 1993 إلى تاريخه)

يكاد يتحول كل الشعب الإرتري إلى معارض لنظام “إسياس أفورقي” حيث لم يترك النظام وسيلة تدفع الشعب إلى التذمر إلا واستخدمها، من الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، وتجويع الشعب، ومصادرة حرياته الأساسية، وممتلكاته، ولم يستثن من ذلك حتى رفقاء النضال، الذين يقبعون في السجون دون محاكمات أو معرفة لمدد محكومياتهم. سجون تنعدم فيها أبسط حقوق السجين، ولذا تعددت وسائل مقاومة النظام، كما تعددت فصائل المعارضة من أجل احلال البديل الديمقراطي، وما زالت المقاومة مستمرة تتوسع رقعتها يوما بعد يوم.

4) تقييم تجربة المعارضة الإرترية: (من 1993 إلى تاريخه)

تستند المعارضة الإرترية الساعية إلى تغيير النظام واحلال البديل الديمقراطي إلى إرث عريق من الممارسة السياسية عبر سنوات النضال الطويلة، فقد سبق الشعب الإرتري شعوب المنطقة في ممارسة الديمقراطية والتحاكم للشعب، وقد خاض نضالات سلمية عبر احزابه السياسية وهيئاته المدنية في أربعينيات القرن المنصرم، وقدم انموذجاً يحتذى به في ممارسة العملية السياسية المدنية في فترة تقرير المصير، ويعتبر ذلك رداً على ما يروجه النظام من عدم قدرة الشعب الإرتري على ممارسة الديمقراطية.

بيد أن غالبية المعارضة الإرترية المنظمة القائمة اليوم هي امتداد لفترة الثورة، لأنها لم تتح لها فرصة ممارسة العمل السياسي أو المدني في ظل الدولة الإرترية الوليدة، وذلك نتيجة تعنت النظام وممارساته، رغم رغبتها ومبادراتها لتكون جزءاً من عملية البناء والتعمير، وممارسة العملية السياسية في وطن مستقر، تتوفر فيه كل الحريات الشخصية والعامة، بل تعامل النظام مع المعارضة بشكل عنيف، وحاول استئصالها بقوة السلاح، مما اضطر بعضها على الاستمرار في نهجها الثوري والمسلح، محاولة مواجهة النظام بنفس وسائله، واختار بعضها طريق النضال السلمي، وتأطير قطاعات كبيرة من الإرتريين في المهجر، والقيام بالمظاهرات والاحتجاجات.

   وبشكل عام هناك اتفاق بين القوى السياسية والمدنية على تغيير الوضع القائم، وعلى توحيد مواقفها ازاء ذلك.

وقد كانت المبادرات السياسية التي تبنتها المعارضة والمتمثلة في توحيد مظلاتها السياسية من التحالف، إلى المجلس الوطني للتغيير الديمقراطي، إلى اقامة المهرجانات السياسية والفنية المشتركة، تعتبر وعياً متقدماً ووسائل حضارية مؤثرة بغض النظر عن تقدير مكاسبها على الأرض، والأهم أن تلك المناشط  قد عززت الثوابت الوطنية، كالمحافظة على وحدة التراب الإرتري، وحماية السيادة الوطنية، والعمل على التماسك المجتمعي،  كما رسخت ثقافة الحوار، والجنوح إلى حل الخلافات البينية بالطرق السلمية، كما رفعت من وتيرة فرص العمل المشترك، وهذا لا ينفي ما تعانيه المعارضة من ضعف الإرادة السياسية، إضافة إلى الاخفاقات والعلل الداخلية التي تسببت في تأخير هدفها المرحلي وهو تغيير النظام، وعجزها عن إيجاد حلفاء إقليميين ودوليين يتبنون مواقفها، ويكون لهم دور حقيقي في الضغط على النظام، ومحاصرته إقليميا وعالميا.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق