الانسجام الاجتماعي

الانسجام الاجتماعي والسياسي والثقافي

1) الوحدة الوطنية:

مر الشعب الإرتري بمراحل مفصلية في التاريخ الحديث، راكمت من وعيه بالذات والمكان، وطورت وحدته في الإطار السياسي، هذا فضلا عن البعد الاجتماعي المتشابك المتشابه إلى حد كبير. ورغم التعدد الإثني والثقافي، فقد أسهمت عوامل طبيعية وأخرى طارئة في تكوين هوية إرترية مشتركة، مثل عمليات الحراك الديمغرافي والتمازج الاجتماعي، والاندماج غير المسبوق لمكونات المنطقة الاجتماعية، والجهوية، والسياسية المختلفة، في إطار المنظومة الجيوسياسية لإرتريا، بفعل الاستعمار.

وقد تقوى الشعور بالهوية السياسية المشتركة، وتكوين كيان ارتري مستقل في مرحلة تقرير المصير، في إطار أحزاب الكتلة الاستقلالية، وغيرها من القوى الوطنية الإرترية، التي رفعت شعار الاستقلال الوطني في تلك المرحلة المبكرة، ثم تعزز الشعور بالهوية الإرترية بتفاعل العمل النضالي لحركة تحرير إرتريا، ليترسخ بالفعل الثوري لجبهة التحرير الإرترية والأطر النضالية الأخرى.

ومع كل تلك التجارب لا تزال إرتريا تعاني من أسئلة تؤرق مسارات الهوية، وأسس الوحدة الوطنية، وتشكل تحدياً في وجه العمل الوطني المشترك، تغذيها عوامل خارجية وداخلية، لتصل أحيانا إلى تهديد مباشر لعملية البناء المجتمعي، ووجود الدولة الإرترية الموحدة، وتتمثل هذه المهددات في النزعات الطائفية الدينية والإثنية والإقليمية والجهوية، بما يشكل انحرافاً عن مسار العمل الوطني المشترك. وفضلا عن مؤثرات ومرارات الحرب الأهلية التاريخية، فإن المسلك الإقصائي لحكومة الجبهة الشعبية على أسس دينية وقومية يعتبر من أشد عوامل تهديد الوحدة الوطنية، إضافة إلى الاستبداد والقبضة الأمنية، وقد فشلت هذه الحكومة في إدارة التنوع الثقافي والإثني والديني والاجتماعي، ولم تسهم المعارضة الإرترية من جهتها بصورة فاعلة في سد الفجوة التي أحدثها النظام.

إن الإجابة على سؤال الهوية، وحل مشكلات الوحدة الوطنية، تكمن في إتاحة جو صحي للعمل الوطني المشترك، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، في إطار الهوية الوطنية الجامعة، وإطار حكم القانون، وفي ظل دستور يحمي الحقوق المدنية الأساسية. وعلى الدولة كفالة الحريات واتاحة الفرص المتساوية على أساس المواطنة، كما على القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني العمل الدؤوب لضمان تماسك اللحمة المجتمعية والسلام الاجتماعي، واحترام مكونات الشعب الإرتري الاجتماعية المتنوعة، والمتجانسة في آنٍ واحد، وتكوين وعي حقيقي بالهوية الإرترية المشتركة، ولكنها في نفس الوقت هي هوية إرترية متعددة الجوانب، دون الوقوع في صراعات الهويات الجزئية المتناقضة.

 2) الانتماء الوطني ورضى الأقاليم:

تبلور الانتماء الوطني عبر مسارات تاريخية، وتجارب نضالية، ومشاريع فكرية وثقافية وسياسية، وتعزز أخيراً بتحرير التراب الوطني، وإعلان الدولة المستقلة.

المحافظة على تلك المشتركات وتقوية بنيانها عبر احترام الثوابت الوطنية، التي اصبحت جزءاً من إرث النضال الوطني المشترك، سيساهم في بناء الشخصية والهوية الوطنية الإرترية.

ومتى كان الهدف منطلقا من المصلحة الإرترية العليا، وكانت المواطنة هي المعيار السليم للحقوق والواجبات، متجاوزة بذلك الانتماءات للأعراق والثقافات والأديان، فلا محالة إن قوة الدولة ستبنى على أسس متينة.

إن الحرص على المصلحة العليا للبلاد، تتمثل في التعامل مع تلك المصلحة برؤية عقلانية حادبة على أمن المجتمع، واستيعاب ضرورة التعايش السلمي بين مكونات الشعب الإرتري على أساس المواطنة المتكافئة، تحت ظل دولة مدنية عصرية وديمقراطية، وفي إطار دولة وطنية تقف على مسافة واحدة من كل ذلك التعدد، وفي ذات الوقت تحافظ على كيان متماسك لوطن واحد، حر ذو سيادة على ترابه.

  إن إدارة التنوع تتم عبر استحقاقات تتكافأ فيها الفرص بغض النظر عن انتماءاتهم الوشائجية أو الثقافية، وتنظيم ذلك في إطار القانون، وفي سياق ديمقراطي حر والاحترام المتبادل للثقافات والمرجعيات الاجتماعية، حفاظا على النسيج الاجتماعي المتساكن المتعايش.

إن المطالب الاجتماعية المختلفة، التي نشأت في ظل نظام الجبهة الشعبية، ثم غذتها عوامل مختلفة، تمثلت في المظالم والتهميش والإقصاء لتلك المكونات، لا يمكن تجاهلها، ولكن الحل ونحن نؤسس لعملية التحول الديمقراطي يكمن في معالجتها في دائرة القانون، عبر التنصيص على صيانة الحقوق المدنية في دولة ديمقراطية، تدار باللامركزية السياسية، وفي دستور يكفل الحريات العامة، ويوزع السلطات بين الحكومة المركزية، والأقاليم والمقاطعات والبلديات، حتى نضمن اشراك جميع فئات الشعب، في عمليات اتخاذ القرار، والمشاركة في الحكم، والأخذ بسياسة التمييز الإيجابي، في الخطط الإنمائية، بالقدر الذي يسمح بتمكين الإنسان وتطوير وسائل الإنتاج، وتوطين سبل العيش الكريم في المناطق المهمشة، وضرورة معالجة تلك الاختلالات والمظالم المرفوعة باسم القوميات والطوائف والجهويات، في الإطار الوطني برؤية إنسانية، وبروح التكافل والتراحم، وبوعي متقدم للمصير المشترك لشعب واحد، ولوطن موحد، وهذا يساعد على ترسيخ العدالة والديمقراطية، والمفاهيم المشتركة الأخرى، التي تقدم أهمية المصلحة العليا المتمثلة في بناء وطن قوي موحد.

3) احترام الأديان وحرية العقيدة:

 لا شك أن للدين دور أساسي في حياة الشعب الإرتري وتطوره الاجتماعي والحضاري، فالدين مكون أساسي ورئيسي من مكونات حضارة وتاريخ الشعب الإرتري واستقراره. فهو موجه قيمه وأخلاقه، ومنبع عاداته وسلوكه، والدين من عوامل الشخصية والهوية الإرترية، والالتزام الديني عند الإرتريين ظل صحيحا غير مغشوش لم يكن من أجل مصالح آنية أو رياء.

وعلى امتداد التاريخ الإرتري ظلت روح التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين المكونات الدينية وتقدير كل طرف للآخر كانت هي السائدة، ويعتبر رجل الدين بغض النظر عن دينه محل احترام وتقدير من الجميع، ولم يتخذ المجتمع موقفاً مناوئاً للدين في عصور تاريخه الطويل. وقد عمل نظام الشعبية على التأجيج الطائفي ليس بين المسلمين والمسيحيين فقط، بل أصبح يغذي التدابر بين المسلين أنفسهم وبين الطوائف المسيحية بعضها ضد بعض. وحاول أن يحد من مكانة الدين التي كانت تسهم في تقوية الوشائج الاجتماعية والإنسانية، والتمسك بالأخلاق الفاضلة. وقد ساهمت سياسات الاستبداد، والنهج الإقصائي لنظام الشعبية، إلى تفشي مظاهر الاحتقان الطائفي، لكن الوعي المتقدم للشعب الإرتري وقياداته الدينية والاجتماعية والسياسية حالت دون الوصول إلى مرحلة الإرهاب، والحروب الطائفية حتى الآن. وإذا كان الشعب والنخب قد عصمهم وعيهم عن ممارسة الإرهاب والحرب الطائفية، إلا أن الدين نفسه يعاني بصفة عامة من إرهاب الدولة، وهذا الإرهاب موجه ضد الرموز الدينية، وهذا يشمل كل المتدينين، فمن التغييب القسري للشيوخ والعلماء المسلمين لأكثر من ربع قرن دون محاكمات، ولا معلومات عن أماكن احتجازهم، إلى فرض الوصاية على الكنائس، وتغيير قيادتها الروحية والإدارية، والتدخل السافر في شؤونها، والحجر على طوائف أخرى مثل الجهوبا والبينطي وغيرهما.

وبما أن الدين بالأساس علاقة مباشرة بين الإنسان وربه، ومن ذلك تنبع حرية العقيدة والعبادة، وتقوم على هذه الحرية الفردية حقوق جماعية، تتمثل في إقامة دور العبادة، وتنظيم العلاقة الداخلية لأفراد الجماعات الدينية المختلفة، دون تدخل من الدولة، إلابما يقتضيه القانون. وبما أن الدولة للجميع، فعلى الحكومة أن تقف على مسافة واحدة من الاديان، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للمؤسسات الدينية، مثل الأوقاف، وممتلكات الكنيسة، والتعليم الديني، وتنظيم دور العبادة.

4) الانتماء الثقافي:

 تتعدد الهويات الثقافية في إرتريا تبعا لتعدد الإطار الديني واللغوي والعادات والتقاليد التي ترسخت عبر القرون. وتتمظهر بشكل قوي في الثنائية الدينية واللغوية، التي اصبحت أحد الثوابت الوطنية، وبالتالي أدرك الأوائل أهمية استيعاب وإدارة هذا النوع من التعدد والانتماء، دون الخروج عن الإطار الوطني في سياقه الثقافي، ومع إشباع الجانب الروحي. وهنا يجب إفساح المجال للحريات الخاصة على المستوى الفردي والجماعي، بحيث ينظم المواطنون شؤونهم الثقافية، بما يتناسب وموروثاتهم القيمية المتجددة، ومواقفهم الأخلاقية واختياراتهم الاجتماعية، ومصالحهم الآنية وتطلعاتهم المستقبلية، مستفيدين من الثراء اللغوي والفني والعادات الموروثة. المواطن في بعده الإنساني مليء بالمشاعر والأفكار والعقائد والتجارب، وهو ما يُكَوِن بعده الثقافي، والثقافة هي من أهداف التنمية البشرية، كما اعتمدتها الأمم المتحدة في سبتمبر 2015م ضمن برنامجها للتنمية المستدامة، فالثقافة داعم أساسي للهوية الوطنية المشتركة، من خلال الوعي المتزايد بأهمية الوحدة في إطار التنوع. وعلينا أن نستثمر فيها، حتى تنتج مجتمعا معافى من الأمراض الاجتماعية والنفسية والخلقية، كالتعصب والكراهية والانغلاق على الذات، والذي ينشأ عنه الغلو الفكري والإرهاب والحروب ليتعدى إلى تهديد الوحدة الوطنية.

إن الثقافة الإيجابية والمتصالحة مع الذات والآخر، ليست تلك الثقافة المنبتة بالكلية عن الجذور، ولا تلك المنغلقة التي لا تتلاقح مع غيرها، وإنما الثقافة التي تُؤسَّسُ على القيم الإنسانية، والمبادئ السامية المشتركة، والمنظومة الأخلاقية والاجتماعية الموروثة.

ونحن إذ ندعو إلى احترام التعدد الثقافي والاجتماعي والإثني في إرتريا، نؤمن أن فيه إثراء للثقافة والهوية الإرترية.

5) الإرهاب تدمير للحياة:

لم يستطع الخبراء تعريف الإرهاب بصورة دقيقة، ولكنهم متفقون في نتائجه وآثاره المدمرة للإنسان والممتلكات، والإرهاب قديم في التاريخ، ولا يمكن حصره في مجتمع أودين أو ثقافة بعينها، وتختلف اسبابه باختلاف الأزمنة والمواقع. ونحن إذ ننبذ وندين الإرهاب بكل أصنافه كعدوان على حقوق وحرية الآخرين، علينا أن نعمل على القضاء على كل أشكاله الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وذلك من خلال محاربة أسبابه المتمثلة في الظلم والفساد والتهميش والفقر، والاقصاء والانتقاص والإذلال والقمع السياسي. ومع هذا فلا يمكن أن ندرج مطالبة الشعوب بحقوقها، ونضالها من أجل استرداد أرضها وسيادتها، وامتلاك قرارها، والدفاع والمحافظة على ثرواتها وخصوصياتها في خانة الإرهاب، لأن هذه الحقوق والدفاع عنها حقوق مشروعة بنص الشرائع والقوانين الدولية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق